عن نظرية التطور الكلي

يندر أن نبدأ الحديث في موضوع ما عن القضايا التي لن نتحدث عنها. يحصل ذلك فقط في الحالات التي يكون فيها الالتباس شديداً وسوء الفهم متوقعاً. وفي حالة نظرية التطور الكلي، فإن الإلتباس كبير، سواء على المستوى النظري الذي يتناول البنية المنطقية للنظرية، أو على المستوى العملي، حيث يتم الخلط بين المشاهدات وبين التفسيرات التي قدمتها النظرية لهذه المشاهدات.

لن أتناول في هذه المقالة التفاصيل التي تقوم عليها النظرية، أي لن أدخل في تفاصيل الاصطفاء الطبيعي! وهو أمر غير مألوف لنظرية يعتبر الكثيرون أنها مرادفة للاصطفاء الطبيعي.

سأركز على الهيكل العام للنظرية. فالتفاصيل يمكن أن تتغير وتتبدل، أما الهيكل العام، فلا يمكن تغييره بدون أن تتغير النظرية بحد ذاتها.

وبما أنني أناقش النظرية بدون التطبيق على أرض الواقع، فإن لي كامل الصلاحية في اختراع الأمثلة المناسبة. ولذلك سأتخيل مثلاً أن الإنسان تطور من حبة البطاطا، وأن الفيل تطور من التمساح.

والقضية مشابهة لما أقوم به في معالجتي للفروع الأخرى كالفيزياء مثلاً. أتصور أحياناً فيلاً في مكوك فضائي، ورائد فضاء يطهو حساءً للأفيال، وباسم يقتل ميسوناً بمسدس لليزر، وهكذا، لست مقيداً أبداً في شرحي لنظرية بأن استخدم أمثلة محددة.

مقدمة:

يقوم المنهج العلمي على مجموعة أسس، من أهمها ما يمكن تسميته بـ”رفض المعجزات” (الاسم الحقيقي للمبدأ ليس مهماً، والمهم هو المعنى). ولنوضح ذلك بمثال: تصور أن لدينا قطعة نقدية بوجهين: كتابة وشعار. لو أننا ألقينا هذه القطعة ألف مرة، وظهر الشعار في جميع المرات، فإننا تلقائياً نرفض النظرية التي تقول بأن هذه القطعة عادية، ونعتقد يقيناً بأن القطعة معدلة بشكل يظهر الشعار أكثر بكثير مما يظهر الكتابة. والسبب أن احتمال ظهور هذه النتيجة وفق النظرية الثانية أكبر بكثير من احتمال ظهورها وفق النتيجة الأولى الذي يكاد يكون مهملاً.

طبعاً اختلاف الاحتمال بحد ذاته ليس كافياً لاختيار أي من النظريتين. فالرياضيات لا تقول: هذه النظرية صحيحة وهذه خاطئة، أو: خذوا هذه ودعوا هذه. هي تسمح لنا فقط بحساب الاحتمالات، ويجب بعد ذلك أن نستعين بمبدأ فلسفي ما للاختيار. وتشكل المنظومة الفلسفية الشائعة حالياً ما يعرف بالمنهج العلمي.

بعبارة أخرى: إذا كان احتمال وقوع الظاهرة وفق النظرية مهملاً، فإننا نقول بأن هذه النظرية، علمياً، لا تفسر الظاهرة. إذ ليس تفسيراً أن تقول لي ما معناه: وفق تلك النظرية، فإن ما حدث هو معجزة!

طير وإنسان!

إن فهم النقطة التالية يسهل كثيراً عملية الخوض في نظرية التطور.

لا اعتقد أنه يوجد إنسان عاش فترة في الحياة ولم يَذْرِقْ (يتبرز) عليه طير. فمعظمنا تعرض لذلك الموقف الطريف مرة على الأقل. لندقق جيداً في احتمالات هذه الظاهرة. فكر في الاسئلة التالية قليلاً قبل أن تتابع. ليس المطلوب إعطاء أجوبة دقيقة، وإنما مجرد تقديرات من قبيل: قليل الحدوث، ممكن جداً، أو شبه مستحيل.

أولاً، ما هو احتمال أن يَذْرِقَ طيرٌ على إنسان محدد في يوم محدد؟ بعبارة أخرى، ما هو احتمال أن يصيب باسماً ذَرْقُ طيرٍ في يوم الجمعة القادم؟

ثانياً، ما هو احتمال أن يتعرض باسم لتلك الحادثة الطريفة مرة على الأقل خلال عشر سنوات؟

ثالثاً، ماهو احتمال أن يتعرض باسم لتلك الحادثة الطريفة في سبعة أيام متوالية؟ أي أن يصيبه الذرْق في كل يوم لسبعة أيام متتالية، علماً أن باسماً لا يتحرى الوقوف في أماكن “مشبوهة”؟

رابعاً، ما هو احتمال أن يصيب جميع أفراد أسرة باسم المكونة من سبعة أشخاص ذَرْق الطير في نفس اليوم؟

خامساً، ماهو احتمال أن يتعرض شخصٌ ما في مدينة باسم لذرق الطير في يوم الجمعة القادم؟

الإجابات واضحة بديهة، ولن أدخل في التفاصيل الرياضية لحسابها. ولكن ما يهمنا هو النتيجة التالية:

إن تكرار فرصة وقوع حدث ما يؤدي إلى ارتفاع احتمال وقوعه. وهذا التكرار قد يأخذ شكلين. إما أن يكون تكراراً زمنياً، أو أن يكون تكراراً عددياً في نفس المدة الزمنية.

الحالة الأولى تمثل ما يحصل لباسم خلال عشر سنوات. فاحتمال أن يصيب باسم ذَرْقٌ في يوم ما هو ضئيل جداً، إلا أن احتمال أن يصيبه خلال عشر سنوات يكاد يكون أكيداً. وذلك لأنه في كل يوم يتعرض لإمكانية وقوع الحدث.

أما الحالة الثانية فتمثل ما يحصل لمدينة باسم في يوم واحد. فبالرغم من أن احتمال أن يذرق الطير على أي فرد بعينه ضئيل جداً، إلا أن كثرة الأفراد تجعل من احتمال وقوع الحدث عالياً. أي أنه في كل يوم هنالك فرد على الأقل يتعرض لهذه الحادثة.

تقوم نظرية التطور الكلي على أحداث احتمال وقوعها ضئيل جداً، ولكنها ترفع من احتمالها عبر هذين النوعين من التكرار.

عن التطور الكلي:

إذا أوقفنا الزمن في لحظة معينة، ونظرنا إلى الكائنات الموجودة على سطح الأرض في تلك اللحظة، فإننا نستطيع أن نصنف هذه الكائنات ضمن مجموعات منفصلة، سنسميها أنواع. لا يهمنا الآن معايير التصنيف، ولكن من الواضح مثلاً أن البطاطا مختلفة تماماً عن الإنسان. وأن الاختلافات بين البطاطا الحمراء والبطاطا الصفراء أقل بكثير من الاختلافات بين أي حبة بطاطا وأي إنسان.

المقدمة الثانية التي تقوم عليها نظرية التطور حالياً هي أن للصفات مصدران: الأول جيني والآخر مكتسب من البيئة. ويتحدد النوع بناءً على الصفات الجينية لا المكتسبة. فمثلاً حتى لو قام إنسان بعملية “تجميل” وحول شكل رأسه إلى ما يشبه البطاطا، فإننا لا نزال نعتبر هذا الكائن إنسان وليس حبة بطاطا.

فالمادة الوراثية تحدد صفات الفرد، ثم تأتي البيئة وتعدل من هذه الصفات. والصفات المكتسبة لا تورث بشكل مباشر. فمثلاً، بالرغم من أن الغالبية العظمى من النساء يثقبن آذانهن إلا أن هذه الثقوب لا تورث إلى الابناء أو البنات. والسبب أن هذه الصفة مكتسبة، وليست جينية. أي أن عملية ثقب الاذن لا تؤثر في الجينات المسؤولة عن الأذن والتي تنتقل من الآباء إلى الأبناء.

المقدمة الثالثة هي أنه يمكن للمورثات أن تتغير. وهذه التغيرات محكومة بآليات محددة كالطفرات وغيرها. كل آلية تؤدي إلى تغيير، سنسميه تغييراً بسيطاً. لا تهمنا الآن تفاصيل هذه التغييرات ولكن ما يهمنا منها أنها لا تؤدي إلى تغييرات كبيرة في المورثات. فمثلاً لا يمكن بتغيير بسيط واحد أن تتحول حبة البطاطا إلى إنسان. (طبعاً لا تقول نظرية التطور أن حبة البطاطا تحولت إلى إنسان، ولكن سأستخدم ذلك التعبير فقط للدلالة على تغير نوع إلى نوع آخر).

إذا فهمنا هذه المقدمات فإن نظرية التطور الكلي تقوم على ما يلي:

لدينا في اللحظة (آ) نوع ما، كالبطاطا مثلاً. يطرأ تغيير بسيط على أحد الأفراد وينتشر هذا التغيير في النوع (بفعل مجموعة من الآليات كالتكاثر). وبالتالي وبعد مدة زمنية وفي اللحظة (ب) نلاحظ أن النوع قد تغير قليلاً. تسمى عملية الانتشار بالاصطفاء الطبيعي. وقسم كبير من النظرية يدرس تلك العملية وآلياتها.

النظرية إذاً تقول أن تكرار هذه العملية (التغيير البسيط على فرد واحد، ثم انتشار التغيير) هو المسؤول عن تغير النوع. سنسمي عملية التغير والانتشار هذه دوراً. هذا هو لب النظرية وجوهرها. وجميع ما ينشر هو فقط لبيان تفاصيل هذه العملية وشروطها.

لاحظ إذاً أن ظهور نوع جديد يحتاج إلى مدة زمنية هائلة، والسبب يعود إلى أمرين: نحتاج أولاً إلى عدد كبير من الأدوار المتتالية، لأن تغير النوع يحتاج إلى تغير كبير، هو عبارة عن تراكم من التغييرات البسيطة. ثانياً، نحتاج إلى مدة زمنية كبيرة لإتمام الدور الواحد. إذ نحتاج إلى انتشار الطفرة في النوع (عن طريق التكاثر مثلاً). تصور لو أن كلباً طرأ عليه تغيير بسيط فأصبح ذا رائحة مميزة مثلاً، كم سنة سنحتاج حتى ينتشر في نوع الكلاب هذا التغيير (على افتراض أنه سينتشر)؟ كم عملية تزاوج يجب أن يحصل وكم جيل يجب أن يولد حتى تغزو هذه الصفة نوع الكلاب؟

لماذا ولماذا ولماذا؟

لا يكتفي العقل النقدي بهذا السرد للنظرية، لابد من فهم أعمق لها. والواقع أن العناصر الأساسية للنظرية ثلاثة:

– التغيير البسيط، وقوعه على أحد الأفراد، الانتشار.

ولفهم هذه النظرية لابد أن نفهم مبررات هذه العناصر. والقضية بسيطة إذا فهمنا الآلية التي تحكم ظاهرة ذرق الطير، إذ هي، احتمالياً، نفس الآلية التي تحكم التطور. سأبدأ بالعنصر الثاني، لماذا نقول بأن التغيير يقع على فرد واحد؟ لأن احتمال وقوعه على عدد كبير من الأفراد بنفس الوقت ضئيل جداً، وبالتالي إذا افترضت النظرية ذلك، فإن الحدث يصبح معجزة.

وبالتالي، لو أن احتمال وقوع طفرة في كائن ما هو واحد بالألف. إن ذلك يعني أنه في كل مليون كائن هنالك تقريباً ألف كائن يعاني من تلك الطفرة، وبالتالي احتمال وقوعها في كائن واحد على الأقل من مليون كائن هو احتمال شبه أكيد. إننا نكاد نجزم أنه يوجد فرد على الأقل من المليون يعاني من تلك الطفرة.

ولماذا نشترط انتشار تلك الطفرة في النوع؟ لأن النظرية تتطلب أن يتراكم عدد كبير من الطفرات حتى ينتج النوع الجديد، واحتمال أن يتراكم هذا العدد في أفراد قلة هو أشبه بالمستحيل. إذ أن وقوع ذلك احتمالياً يكافئ أن يذرق الطير على باسم كل يوم ولمدة سنة.

ولو افترضنا أن الطفرة لم تنتشر، وان الفيل تطور من التمساح، فإن ذلك يعني أن تمساحاً، مثلاً، سيبيض بيضة تعطي تمساحاً طافراً، وسيكبر هذا التمساح ويبيض بيضة تعطي تمساحاً أشد طفرةً، وهكذا حتى نصل إلى الفيل. أي أن سلسلة واحدة من التماسيح أعطت فيلاً. إن احتمال وقوع هذه الطفرات المتتالية في سلسلة واحدة أمر أشبه بالمستحيل. أما إذا انتشرت الطفرة بين التماسيح، فإن احتمال وقوع طفرة جديدة في احد التماسيح احتمال كبير، وهو كاحتمال أن يذرق طير على أحد أفراد مدينة باسم.

بالنسبة للعنصر الأول، البساطة، فإنه من الصعب والعسير الخوض الآن في تعليله الحقيقي، وسنكتفي بالقول أنه من البديهي أن وقوع تغيير بسيط أسهل بكثير وأكثر احتمالاً من وقوع تغيير كبير.

فضاء الكائنات:

الآن، سنعيد طرح النظرية بشكل يسمح لنا بوضع صيغة رياضية للمسألة ويفتح آفاقاً لبرهانها أو دحضها بشكل حقيقي. الشكل التالي يمثل فضاء الكائنات. كل نقطة تمثل كائناً معيناً. فمثلاً في لحظة ما إذا كان العالم يحوي 180984432423 حبة بطاطا، فإن الشكل سيحوي نفس العدد من النقاط، نقطة من أجل كل حبة بطاطا. المسافة بين نقطتين تعبر عن المسافة بين مورثات الكائنات. كلما كان الاختلاف بين المورثات أكبر كانت المسافة أطول. فالاختلاف بين مورثات حبتين من البطاطا أقل بكثير من الاختلاف بين مورثات حبة بطاطا وإنسان. ولذلك فإن النقاط المعبرة عن البطاطا تتكتل حول بعضها، وكذلك النقاط المعبرة عن الإنسان.

Pic1

الآن، إذا افترضنا جدلاً بأن الإنسان تطور من حبة بطاطا، فإن ذلك يعني أنه في لحظة زمنية ما لم يكن هنالك إنسان، وكانت هنالك البطاطا. وبدأت سلسلة من الأدوار التطورية في نوع البطاطا. في كل دور تظهر طفرة على أحد الأفراد، ثم تنتشر، وهكذا. أي بدأ النوع بالتحرك وفق مسار ما. يعبر الشكل التالي عن عملية تطور البطاطا إلى الإنسان وفق فضاء الكائنات

Pic2الشكل (2): تطور البطاطا إلى الإنسان خلال فترة زمنية طويلة

لاحظ أن عملية التطور تمت خلال فترة طويلة. وفي كل دور كان يخرج إلى الوجود نوع ما. في البداية كان يشبه البطاطا كثيراً، ومع الوقت أصبح هجيناً. لاحظ أيضاً أن خروج النوع إلى الوجود يعني انتشاره. والانتشار يعني أنه متوفر بكثرة، وبالتالي يجب أن نجد بسهولة أثراً له. وذلك من أجل كل نوع من الأنواع البينية.

هذه نقطة يجب الوقوف عندها. إذا افترضنا أنه بين الإنسان والبطاطا مليون نوع، إذن يجب أن نجد مليون أثر لتلك الأنواع البينية (لاحظ أن شرط التطور هو الانتشار، أي أن كل نوع سينتشر إلى درجة تجعل من وقوع الطفرة التالية فيه أمراً ممكناً). أما إذا قلت لك: أنظر، بعد البحث المضني وجدنا عشرة أنواع “بينية”، فإن وجود عشرة أنواع من مليون هو دليل ضد النظرية لا معها، لأن هذه الأنواع تفصل بينها “مسافات وراثية” كبيرة!

هذه نقطة مهمة في فهم نظرية التطور والاعتراضات عليها. فعندما نقول أن الأحافير لا تؤيد نظرية التطور، فإن ذلك يأتي ضمن سياق معين. سياق يستلزم وجود عدد هائل من الأنواع التي تواجد أفرادها بكثرة تسمح بحدوث التطور عن طريق الطفرات. والتواجد الهائل يجب أن ينعكس كتواجد هائل في الأحافير.

طرح آخر:

لنفترض أن عملية البحث عن الأحافير مضنية وأنه لسبب ما لا توجد تلك الأحافير. هنالك طريق آخر لبرهان أو دحض نظرية التطور. ولكنه يحتاج أن نخرج من مسلماتنا وأمانينا قليلاً، ولنتساءل: إذا كانت نظرية التطور غير صحيحة، فماذا يمكن أن يكون السبب؟

إن المنطق التطوري كما رأينا يفترض وجود طريق جينية بين البطاطا والإنسان (مثال جدلي بالطبع). ووجود الطريق يعني أن هنالك كائنات حية على هذا الطريق. أما إذا كانت نظرية التطور خاطئة، فإن ذلك يعني أن مثل هذا الطريق غير موجود. أي أننا إذا اخترنا نقطة من هذا الطريق البيني، وشكلنا كائناً بهذه المورثات فإن هذا الكائن لن يعيش. فإما أن الكائنات تعيش في محميات وراثية مغلقة لا يمكن لها الخروج من حدودها، أو أنها تعيش في طريق وراثية مفتوحة ويمكن لها أن تتحرك على هذا الطريق.

ترى ما صفات هذا الطريق؟ هل هو طريق عريض أم ضيق؟ بمعنى آخر، ما هو احتمال الحصول على طفرة يمكن لها الانتشار في النوع؟ كلما كان احتمال الحصول على طفرة قابلة للانتشار أقل، كلما كان الطريق أضيق.

وبالتالي يمكن إجراء التجربة التالية، لنحاول أن نختار نوعين قريبين وراثياً من البكتيريا أو الفيروسات، ولنحاول أن نحاكي حاسوبياً عملية تطور أحدهما إلى الآخر. سنحتاج إلى مجموعة من المعلومات مثل: ماهي صفات المادة الوراثية التي تبقي الكائن حياً، وما هو التوزيع الاحتمالي للطفرات وغيرها في مورثات الجراثيم التي نعمل عليها. يمكن بناء برنامج يقرأ قاعدة بيانات كبيرة من مورثات الكائنات الحية ويحاول، باستخدام تقنيات التعلم التلقائي (Machine Learning)، أن يصنف المورثات القابلة للحياة من المورثات التي تؤدي للموت. هو عمل شاق وجبار حقاً. وإذا لم نستطع الحصول على معلومات عن الطريق الذي يمكن سلوكه، فإننا سيحتاج على الأغلب إلى حاسوب كمومي نظراً لأن عدد الحالات يتزايد بشكل أسي.

وللتأكد من صحة المحاكاة نقوم باختيار بضعة نماذج بينية ونحاول أن نركب الحمض النووي ونطابق النتائج.

لابد أن عملاً كهذا سيفتح لنا آفاقاً اعمق لفهم الحياة. الآن، هدفي من طرح هذه التجربة ليس إجراء التجربة بحد ذاتها (وأنا أؤيد بقوة برنامجاً بحثياً في هذا الاتجاه)، ولكن التالي، وسأختم بذلك:

إذا اقتنعت أن هذه التجربة يمكن أن تقدم لنا دليلاً يدحض نظرية التطور الكلي، فهذا يستلزم أنك تعتقد أن نظرية التطور الكلي ليست حقيقة! وأنه من الممكن أن يكون التفسير الذي تقدمه النظرية للمشاهدات الحالية خاطئاً. بعبارة أخرى، من الممكن وقوع ثورة في البيولوجيا تشبه ثورة ميكانيك الكم في الفيزياء (وليس من المستبعد أن يكون لميكانيك الكم دور في ذلك)، ثورة تقوم على الفكرة الأساسية في تقدم الفيزياء، الفكرة التي تقول بأنه من الممكن للقوانين المستنتجة من تجارب أجريت في أبعاد زمنية أو مكانية معينة أن لا تكون صحيحة في أبعاد زمنية ومكانية أخرى. فتجارب الميكانيك الكلاسيكي فشلت في الأبعاد الذرية. ومن الممكن جداً أن يفشل التطور الجزئي في العمل على أبعاد زمنية كبيرة.

Advertisements

عن الحركة: بين الأجرام السماوية والإلكترونات – الجزء الأول

طرحت إحدى القارئات الكريمات سؤالاً يمكن صياغته بالشكل التالي:

– هل جميع الجسيمات الكمومية كالالكترونات والفوتونات والكواركات وغيرها في حالة حركة مستمرة؟

سأبدأ في هذه المقالة بتوضيح معنى الحركة وخصوصيتها في ميكانيك الكم مقارنة مع الميكانيك الكلاسيكي، وسنتناول في المقالة القادمة الحرارة والحركة وسنجيب عن هذا السؤال إن شاء الله.

عن الأجرام السماوية

قبل الدخول في تعقيدات العالم الكمومي، يجب أن نفهم تماماً معنى هذا السؤال. تصور وجود حبة من البطاطا على الطاولة أمامك، هل حبة البطاطا هذه ساكنة أم متحركة؟ الواقع أن الحركة ليست صفة مطلقة متعلقة بالجسم فقط، وإنما ترتبط أيضاً بالمراقب. فحبة البطاطا هذه ساكنة بالنسبة للطاولة، ولكنها متحركة بالنسبة لرائد فضاء يقف على سطح القمر. إذاً صفة الحركة تحتاج إلى مرجع نتخذه كمقياس وندرس الحركة بالنسبة له.

هنالك نقاش فلسفي طويل حول إمكانية اعتبار الفضاء نفسه مرجعاً للحركة، وبالتالي حول إمكانية الحديث عن حركة مطلقة. للإطلاع على تفاصيل ذلك، راجع المقالان الرائعان التاليان في مدونة صديقي العزيز الدكتور محمد شادي الراجح:

عن الفضاء المطلق: بين لايبنتز ونيوتن

رداً على لايبنتز

(صديقي شادي يؤيد نيوتن، هداه الله، 🙂 وأرى أن الصحيح ماذهب إليه لايبنتز، ولكن لذلك مكان آخر)

إن إدراك أهمية المرجع في تحديد الحركة يطرح السؤال التالي: لماذا نقول بأن “الأرض تدور حول الشمس”؟ إن الدوران حركة، والجملة الأولى تعين الشمس كمرجع، ولكن عبارة: “الشمس تدور حول الأرض” صحيحة أيضاً وتستخدم الأرض كمرجع للحركة! والأمر نفسه في علاقة الأرض والقمر، يمكن اعتبار القمر مرجعاً للحركة والقول بأن الأرض تدور حول القمر.

الواقع أن القضيتان صحيحتان من هذا المنظور، ولكن الأمر يتعقد قليلاً عندما نتناول ثلاثة أجرام سماوية. الفيديو التالي يبين حركة الشمس والمريخ إذا اعتبرنا الأرض مرجعاً للحركة:

لاحظ أن مسار المريخ حول الأرض ليس دائرياً أو بيضوياً تماماً، وإنما يحوي مجموعة من “العقد”. هذا يعني بأن مراقباً في الأرض سيرى المريخ يتباطئ إلى أن يتوقف ثم يتحرك بالاتجاه المعاكس مؤقتاً ثم يعود ليتحرك وفق الاتجاه الأول! لابد أن حركة الأجرام هذه قد سببت ألماً في الرأس للفلكيين الأوائل. تصور النظرية الفيزيائية التي يجب وضعها حتى يتم تفسير هذه الحركة.

أما اختيار الشمس كمرجع فإنه يبسط تلك المسارات كثيراً ويجعلها بيضوية حول الشمس، الأمر الذي يسمح بالحديث عن الجاذبية ودراسة الحركة من خلالها. وهذه نقطة مهمة يجب توضيحها.

إن اختيار الأرض كمرجع لا يتناقض مع فكرة الجاذبية ونظرية نيوتن. ولكن اكتشاف هذه النظرية عندما نتخذ الأرض كمرجع أصعب بكثير من اكتشافها عند اتخاذ الشمس. والقاعدة المطردة في العلوم عامةً هي أن التمثيل الصحيح يجعل المسألة أبسط.

همسة أخيرة أود أن ألقيها قبل الانتقال إلى الفقرة التالية. إن الكلام السابق لا يعني أبداً حتمية هذه النتيجة أو أنها “حقيقة” مطلقة. بعبارة أخرى أكثر دقة، إذا افترضنا فكرة الجاذبية واستخدمنا التمثيل المناسب لحركة الأجرام فإننا نستطيع القيام بحسابات تقترب من الواقع بشكل جيد. مع ذلك، هنالك إمكانية حدوث ثورة ما تنسف فكرة الجاذبية وتظهر أنها مجرد تقريب ما من نظرية أعمق بحيث تكون الأرض، في التمثيل الطبيعي لتلك النظرية، واقعة في المركز!

أقول هذا الكلام لأن معظم الدراسات الجامعية تبتعد عن التناول الحقيقي العميق لفلسفة العلوم، وتؤله بشكل أو بآخر نظرة فلسفية معينة ومنهجية ما، ويكون التركيز على “التطبيق” أكثر بكثير من الجانب النظري والفلسفي. ويظهر أثر ذلك مثلاً عندما يتم تناول نظرية التطور على أنها حقيقة! أو عندما يتم الربط بين نظرية التطور ونظرية فيثاغورس باعتبار أن القيمة المعرفية واحدة!

في ميكانيك الكم:

تحتاج الحركة في الحالة الكمومية إلى تناول أعمق مما سبق. ولنضرب المثال التالي: انطلقت سيارة من دمشق إلى حلب (حسب خرائط غووغل، فإنه يوجد طريق طوله 360 كم بينهما. سنتفرض أنه 300 كم لتسهيل الحساب) واستغرقت ثلاث ساعات للوصول، وبالتالي فإن سرعتها الوسطية هي 100 كم في الساعة. حتى يكون للجملة السابقة معنى، فإننا نفترض عدة أمور، منها أن السيارة تحركت وفق مسار ما من دمشق إلى حلب، لا أنها وصلت كراجات دمشق، وتوقفت هنالك ثلاث ساعات ثم اختفت فجأة لتظهر في كراجات حلب!

ونفترض أيضاً بأن السيارة قطعت الطريق الذي حددته لنا خرائط غووغل، أي أنها اتجهت نحو الشمال حتى وصلت المدينة، لا أنها اتجهت نحو الجنوب ودارت الكرة الأرضية حتى وصلت حلب من الطرف المقابل! لأن سرعة السيارة التي دارت الكرة الأرضية فوصلت حلب خلال 3 ساعات أكبر بكثير من السيارة الأولى. فالسرعة تتعلق بالمسار، ولا يمكن الحديث عن حركة بدون الحديث عن مسار لهذه الحركة.

تتعرض هذه المسلمات التقليدية لصدمة عنيفة في ميكانيك الكم، إذ ليس من صفات الجسيمات الذرية والمادون ذرية وجود مسار أصلاً! فالسؤال الوحيد تقريباً في ميكانيك الكم هو: “ما هو… الآن؟” مثلاً: أيها الإلكترون العزيز، ما هو موقعك الآن؟ ما هي سرعتك الآن؟

وبالتالي لو استبدلنا سيارتنا هذه بإلكترون، وسألناه: ما هو موقعك الآن؟ فأجاب : كراجات دمشق. ثم وبعد ثلاث ساعات سألناه: ماهو موقعك الآن؟ فأجاب: كراجات حلب، لا يمكن أن نستنتج أبداً من هاتين الإجابتين أن الإلكترون خرج من دمشق وفق مسار ما ليصل حلب! إن فكرة المسار نفسها غير موجودة.

قد يقول البعض، يمكن أن أمطر الإلكترون بوابل من الاسئلة خلال الساعات الثلاث هذه، سأسأل الإلكترون سؤالاً كل نصف ثانية، وبالتالي سأحصل على المسار الذي سلكه الإلكترون. نقول: بالتأكيد ستحصل على “مسار”، ولكن افتراضك بأن هذا المسار الذي حصلت عليه الآن هو نفسه المسار الذي سيسلكه الإلكترون لو لم تسأله، أقول هذا الافتراض غير صحيح. بعبارة أخرى، في ميكانيك الكم، إذا سألت الإلكترون سؤالاً ستحصل على إجابة، ولكنها إجابة هذا السؤال تحديداً، وليست إجابة السؤال الذي لم تسأله أصلاً!

سنتابع إن شاء الله تعالى حديثنا في المقالة القادمة.

الفيزياء النظرية: عن الكتلة والطاقة

هذه المقالة هي الأولى في سلسلة تتناول مفهومين أساسيين في الفيزياء هما الطاقة والإنتروبي. سنبدأ اليوم بالحديث عن مفهوم الكتلة وذلك لتوضيح بعض سمات الفيزياء النظرية. وسنتناول في آخر المقالة مقدمة عن الطاقة.

مدخل إلى القياس

إذا سألتك: كم قلماً تملك؟ قد تجيبني: 5 أقلام. لاحظ أن إجابتك تتكون من لفظين: عدد هو 5، ولفظة “أقلام”. ولو أنك أجبتني بـ: “خمسة” وسكتت لربطتها تلقائياً في ذهني بالأقلام. ولو أن الإجابة كانت: 5 دفاتر لظهرت علامات التعجب والاستغراب على وجهي. فحتى لو كان لديك على الطاولة 5 أقلام فعلاً، فإنني استغرب من إجابتك: 5 دفاتر.

ولو أن على الطاولة 5 أقلام وأجبتني أنت ب:3 أقلام، لاستغربت أيضاً، ولكن استغرابي هنا مختلف تماماً عن الحالة السابقة، وقد أقبل أحياناً إجابتك. فلو كنا في متجر للأقلام وسألت صاحب المحل: كم قلماً تملك فأجابني 1000 قلم، ثم قمت بعدّها واحداً واحداً لاكتشف أنها 1003 فإنني لا اعتبر جوابه خطأً. بينما لو أجابني: 1003 دفتر! لاعتبرت إجابته هراءً.

لنفكر قليلاً: افتتحت سؤالي بـكلمة “كم” الأمر الذي أدى إلى اجابتك برقم مع لفظة تدل على نوع هذا الرقم. ومن الواضح في حالة الأقلام أن الجواب هو رقم يتعلق بالأقلام.

الآن لو سألتني كم عمري لأمكنني إجابتك بجدية: 350، وأنا تقريباً صادق فيما أقول. والسؤال المنطقي هو: 350 ماذا؟ هنا – وبخلاف حالة الأقلام- لا توجد واحدة طبيعية يمكن استخدامها لقياس العمر. نحن نشعر بأن العمر مقدار مستمر. أما تقطيعات الزمن كالثانية والدقيقة واليوم فهي قضايا تعود لعرف الناس ومعتقداتهم. لماذا نقيس الدقيقة ب60 ثانية لا بمئة مثلاً؟ ولماذا الثانية بهذا الطول؟ ولماذا اصطلحنا على السنة ب12 شهر كل منها تقريبا 30 يوم؟

مقادير نظرية: الكتلة

الآن، هنالك مقادير لا يمكن قياسها بشكل مباشر. ووجودها أصلاً أمر نظري بحت. هي مقادير افترضنا وجودها واستخدمناها لتبرير بعض الظواهر التي نراها. خذ مثلاً الكتلة.

قبل أن تختلط علينا الأمور دعونا نوضح نقطة هامة. إن إحساسنا بثقل كيس مملوء بالبطاطا يسمى الوزن وليس الكتلة. عندما يشير الميزان إلى 2 كغ عندما نزن كيس البطاطا فإننا هنا نقيس وزنه لا كتلته. ولو أننا قمنا بوزن نفس الكيس على قمة جبال همالايا بميزان دقيق لوجدنا أن وزنه سينقص. إذاً ما نشعر به ونقيسه هو قضية متغيرة تبعاً للمكان وهو مفهوم مختلف تماماً عن الكتلة، ذلك المقدار المستقل عن المكان.

ولو أننا حملنا كيس البطاطا إلى قمر صناعي يدور حول الأرض ووزناه هناك لوجدنا أن وزنه قد انعدم! (وبخلاف الاعتقاد الشائع، فإن ذلك ليس بسبب انعدام الجاذبية وإلا فلماذا يدور القمر الصناعي حول الأرض؟!)

الآن، تصور أن ذلك القمر الصناعي كبير جداً بحيث يتسع أيضاً إلى فيل! إذاً على هذا القمر الصناعي هنالك كيس من البطاطا وفيل ورائد الفضاء. والجميع طبعاً يسبحون في الهواء. لنتصور أن رائد الفضاء أراد طهو حساء البطاطا بالأفيال. وفكر: “سأقوم بأخذ حبة بطاطا من الكيس وتقطيعها ثم وضعها في الوعاء، ثم سأسحب الفيل من وسط الغرفة إلى طرفها بسهولة حيث سأذبحه ثم آخذ قطعة من فخذه اللذيذ وأضيفه إلى ذلك الوعاء!”. يبدو حساءً لذيذاً.

على أي حال عندما يقترب رائد الفضاء من الفيل ويحاول سحبه إلى طرف الغرفة سيتفاجأ بأنه لا يمكنه زحزحة الفيل! فبالرغم من أن وزن الفيل كوزن حبة البطاطا في الفضاء إلا أن حبة البطاطا يمكن تحريكها بسهولة، أما الفيل، فلا يتحرك!

وإذا تصورنا أن الرائد قد استشاط غضباً فتناول حبة من البطاطا وقذف بها الفيل، فإنها ستصطدم بالفيل ثم ترتد عنه، وسيبقى الفيل راسخاً كالجبل. (طبعاً يعتمد ذلك على نوع حبة البطاطا ونوع جلد الفيل والمنطقة التي اصطدمت بها)

والسؤال الآن، لماذا لم يستطع صاحبنا سحب الفيل ومن ثم ذبحه بالرغم من أن للفيل وحبة البطاطا نفس الوزن؟ لاحظ أن القضية لا علاقة لها بالحجم. لنتصور أن رائد الفضاء هذا بعد هذه التوتر الذي عاناه مع الفيل قرر أن يخفف عن نفسه بأن يتذكر إنجازاته. وفعلاً قد تم تقليد صاحبنا هذا جائزة “البطاطا الرصاصية”. وهي عبارة عن منحوتة رصاصية على شكل حبة من البطاطا. توجه رائد الفضاء إلى أحد الدروج وفتحه وأخرج حبة البطاطا الرصاصية تلك. سيلاحظ أن تحريكها أصعب من تحريك حبة البطاطا الطبيعية التي لها نفس الحجم. طبعاً حبة البطاطا الرصاصية أيضاً لا وزن لها هناك.

يمكن تفسير هذه المشاهدة بافتراض ما يلي:

إن هذا الاختلاف في السلوك يعود إلى اختلاف في “صفة ما” بين الفيل وحبة البطاطا. سنسمي تلك الصفة “الكتلة”. لاحظ أن الكتلة بحد ذاتها ليست أمراً مرئياً أو ملموساً، وإنما هي مفهوم نظري وضعناه لتفسير ظاهرة معينة.

إذاً فالفيزياء النظرية تقوم على بناء مفاهيم “نظرية” تربط المشاهدات التي نراها وتفسرها. طبعاً قد نكتشف في وقت لاحق أن المفهوم غير كاف لتفسير جميع المشاهدات. فالنظرية النسبية مثلاً تقول بأن حبة البطاطا التي تتحرك بسرعة “كتلتها” أكبر من تلك الساكنة. بمعنى آخر، في النظرية النسبية تتعلق صعوبة الحركة بالسرعة أيضاً.

الطاقة

سأبدأ القول بأن الطاقة – كالكتلة- مقدار نظري افترضنا وجوده لتفسير مشاهدة ما.

لو أننا أمسكنا بمطرقة ثقيلة وطرقنا بها قطعة حديدية بقوة لوجدنا أن درجة حرارة القطعة الحديدية قد ارتفعت. لو أمسكنا وتراً مشدوداً ثم طرقناه بإصبعنا لوجدناه يبدأ بالاهتزاز مصدراً صوتاً ثم يتخامد ذلك الصوت رويداً رويداً إلى أن يتوقف الوتر عن الاهتزاز.

وكثيراً ما أسمع من اصدقائي أن أطفالهم يملكون “طاقة” ويقومون بتفريغها باللعب. وقد قابلت شخصاً بالصدفة وأثناء الحديث أخبرني بأنه قبل وجود الأولاد كانت طاقة زوجته تتوجه كلياً عليه عندما يعود في المساء متعباً من العمل، أما الآن فقد أصبحت هذه الطاقة تتوجه على الأولاد!

إن هذه المشاهدات وأمثالها تبين لنا امكانية الانتقال من ظاهرة إلى أخرى. من حركة المطرقة إلى السخونة. من اهتزاز الوتر إلى الصوت. والطاقة هو المقدار الذي إذا افترضنا وجوده يسمح لنا بحساب معدلات الانتقال.

كيف يمكن من خلال الطاقة حساب هذه معدلات؟ القضية تشبه إلى حد ما النقود. فلو كان معك 100 ليرة مثلاً. فبإمكانك أن تشتري فيها 5 قطع من الشوكولا. ثم بإمكانك أن تستبدل هذه القطع بنصف كيلو من اللبن، ثم بإمكانك أن ترجع كل شيء وتستعيد نقودك كاملة! (على افتراض أن البائع كان متسامحاً معك إلى أقصى الحدود)

وبالتالي تبرز أهمية هذا المقدار الافتراضي بسبب افتراض مصونيته، وإلا لما كان هنالك معنى من استخدامه.

إذاً فالطاقة مقدار نظري لا معنى له سوى أنه مصون. وأنه يمكن حساب قيمته في كل ظاهرة. وتبرز أهميته من خلال مصونيته التي تسمح لنا بحساب معدلات الانتقال بين الظواهر المختلفة.

سنتابع الحديث عن هذا المفهوم في تدوينة قادمة بإذن الله.

عن العلوم البحتة أتحدث

سألني أحد أصدقائي فجأة: ألا تشعر بالندم لأنك تدرس اختصاصاً نظرياً يصعب إيجاد عملٍ فيه؟ أجبته: لا! فقال: ماذا يزيد عملك في الحياة؟ أجبته ضاحكاً: بضعة أوراقٍ علمية. قال: ثم ماذا؟ قلت: يقرأها أحدهم ثم يكتب عنها أوراقاً أخرى وهكذا! فهزّ رأسه متأسفاً.

اعتقد أن معظم الناس في مجتمعنا تقيس "أهمية" مجال معرفي ما بما يقدمه من إنتاج وانجازات ملموسة، أو بما يحققه لصاحبه من عيش كريم. ولذلك مثلاً ترى في مجتمعاتنا أن معظم العلوم الإنسانية (كالفلسفة وغيرها) تقع في أسفل سلم العلوم وتعتبر من أقلها "فائدة". وعندما ترد كلمة "نهضة" أو "تقدم" فأول ما يتم تصوّره وتصويره هو ناطحات السحاب والطرق المعبدة والمستشفيات… إلخ من الإنجازات المشابهة.

الواقع أن الوصول إلى معرفة صحيحة لم يكن مقتصراً على هذا العصر أو على ما يسمى منهجاً علمياً. فمنذ نعومة أظفار الإنسانية ونحن نعرف أن الجسم المدوّر أفضل من المكعب لتسيير العربات. ونستخدم بعض النباتات والأعشاب في معالجة العديد من الأمراض والآلام. ولدينا عدة طرق لإقامة جسور بسيطة وأبنية. كيف توصلنا إلى هذه المعارف؟ بالتجريب! إذاً فالـ"منهج التجريبي" وفق هذا المعنى قديم قدم الإنسانية نفسها، فما الذي اختلف في هذا العصر وأدى إلى كل هذه الانجازات؟

Diag1 مخطط يوضح موقع العلوم النظرية من بقية العلوم

الواقع أن الجواب طويل ويحوي الكثير من التشعبات الفلسفية التي لا تعنينا الآن. ولكن أحد جوانب هذا الاختلاف يكمن في ما نسميه الآن بالجانب النظري، أي في الإجابة عن السؤال: لماذا؟ لماذا تحريك جسم مدور على الأرض أسهل من تحريك مكعب؟

وللتوضيح نقول: من الممكن أن نصنف العلوم بعدة طرق، إحدى هذه الطرق هو التصنيف (نظري-عملي). فنقول عن بعض العلوم (كالرياضيات البحتة، والفيزياء النظرية، وعلوم الحاسوب النظرية) أنها علوم بحتة أو نظرية ونقول عن بعضها الآخر (كالهندسات والطب) أنها علوم تطبيقية أو عملية. يوضح المخطط السابق علاقة هذه العلوم ببعضها وبالفلسفة. ويقول معجم لسان العرب في مادة "نظر":

النَّظَر: حِسُّ العين. وتقول نظرت إلى كذا من نَظَر العين ونَظَر القلب. والعرب تقول: داري تنظُر إلى دار فلان بمعنى تقابل. وتقول أيضاً أَنظِرني أي انتظرني قليلاً. والنَّظَرُ الفكر في الشيء تقدره وتقيسه منك.

فالعلوم النظرية هي العلوم الي تحاول إيجاد إجابة على سؤال: لماذا. بينما تجيب العلوم العملية على سؤال: كيف. فلماذا تسقط التفاحة إلى الأرض؟ سؤال يتعلق بالفيزياء النظرية، وسؤالنا لماذا نشعر بأن الضرب أصعب من الجمع يتعلق بعلوم الحاسوب النظرية. وفي المقابل، كيف يمكن أن نبني بناءً متيناً ضمن كلفة معينة؟ سؤال يتعلق بهندسة البناء والعمارة. وكيف يمكن أن نبرمج برنامجاً تسهل صيانته؟ سؤال يتعلق بهندسة البرمجيات.

إذاً يمكن القول بأن العلوم التطبيقية تعالج مشكلة تطبيقية، وهي المشكلة التي بحلها تَسهُل حياة الإنسان (أو تَصعُب) بشكل مباشر. بينما تعالج العلوم النظرية مشكلة بحتة وهي التي يؤدي حلها إلى إزالة بعض الغموض الذي يلف هذا الكون الفسيح.

وبحل المشكلة البحتة نحصل على ما يسمى نظرية. وتشكل هذه النظرية الإطار الذي يتم من خلاله توصيف المشكلة وحلها في العلوم التطبيقية وعكس هذا الحل على أرض الواقع.

فمثلاً لتوليد الطاقة الكهربائية يمكن أن نعتمد على الفيزياء الكلاسيكية (نظرية نيوتن- نظرية ماكسويل) واستخدام أنظمة موافقة، كالعنفات والنواعير وأشباهها. أو يمكن أن نعتمد على ميكانيك الكم والنظرية النسبية، ونقوم بتحويل بعض الكتلة إلى طاقة، الأمر الذي يتم في المفاعلات النووية.

لاحظ أولاً أن النظرية هي التي تحدد نوعية الحلول التي يمكن تطبيقها. وهذه نقطة مهمة يجب التأكيد عليها وتوضيحها. فلو أننا أوقفنا البحث في العلوم النظرية واقتصرنا على نظرية نيوتن وماكسويل، فلن نستطيع أبداً أن نتخيل تزويد مدينة كاملة بالطاقة الكهربائية من خلال كمية ضئيلة من مادة كاليورانيوم مثلاً.

والنقطة الأخرى المهمة هي أن الأبحاث في العلوم النظرية مجهولة النتيجة تماماً بعكس الأبحاث في العلوم التطبيقية. فالبحث في العلوم التطبيقية يتعلق بحل مشكلة تطبيقية وفق نظرية أو مجموعة نظريات محددة. فالنتيجة -إن نجح البحث في حلها- متوقعة من البداية. بينما هل كان من المتوقع أن نصل إلى إمكانية تحويل الكتلة إلى طاقة إذا درسنا ظاهرة غريبة تتعلق بثبات سرعة الضوء بالنسبة لعدة مراقبين يتحركون بسرعات مختلفة؟

وإذا عرفنا أن النظائر المشعة التي تستخدم الآن في الطب تعود بداياتها إلى نظريات تتعلق بتفسير ظاهرة تقطع ألوان الطيف التي نراها من النجوم البعيدة ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل إيجاد علاج للسرطان يمكن أن يتم الآن وفق النظريات التي بين أيدينا؟ أم أن الحل قد يأتي من مكان آخر لا نتوقعه أبداً كالثقوب السوداء مثلاً التي يتم استخدامها لتوسيع النظريات الموجودة والوصول إلى فهم أعمق للكون؟ لا أحد يدري، ولكن التاريخ العلمي يشير إلى أن معظم القفزات العلمية جاءت من أماكن غير متوقعة إطلاقاً.

إن ما يقود الباحثين في العلوم النظرية هو الفضول العلمي المجرد. وفي الغالب لا يتكلل العمل الذي يقوم به معظم اولئك البحاثة بإنجاز عملي تطبيقي يمكن أن يلمسه الناس بشكل مباشر. فهم يأخذون ما قام به غيرهم ويضيفون عليه بعض التفاصيل ويعطونه إلى من بعدهم. وتستغرق النظرية جهوداً جبارة ووقتاً طويلاً حتى تنضج وتصل إلى نقطة يمكن الاستفادة منها عملياً. ولعلي اختم بمثال يتعلق بعلم التعمية (ما يسمى خطأً بالتشفير).

فحتى عهد قريب وآليات التعمية وإخفاء المعلومات تبنى بشكل أقرب إلى الفن منه إلى العلم. فنظام التعمية الجيد هو ذلك النظام الذي يبدو معقداً في نظر صاحبه. وقد بدأ هذا المجال بأخذ صيغة علمية مع ظهور نظريتين: الأولى هي نظرية المعلومات الي اخذت معالمها الأساسية على يد مجموعة من البحاثة أمثال هارتلي ونايكويست وشانون (نشر شانون ورقته البحثية الشهيرة في عام 1948). والثانية هي نظرية الحوسبة التي بدأت على يد تشرش وغودل وتورينغ وغيرهم (نشر تورينغ ورقته في عام 1937).

كان من الواضح أن نظرية المعلومات تتعلق بشكل مباشر بالتعمية، ويمكن القول بأن المؤسس هو شانون نفسه، إذ نشر ورقته حول التعمية الرياضية في عام 1949 (الفكرة كانت موجودة لديه قبل ذلك ببضعة سنوات). أما التعمية الحسابية، فلم يكن بالإمكان البدء فيها قبل وصول نظرية الحوسبة إلى مستوى معين من النضج. الأمر الذي استغرق حوالي الأربعين عاماً تقريباً. وظهر متفرقاً في عدة أفكار كالتعمية بالمفتاح المعلن (نشرت ورقة ديفي وهلمن عام 1976) وخوارزمية DES (تم نشرها في السجل الفدرالي الأمريكي عام 1975).

إذاً فجواب السؤال الذي بدأنا به هو أن التخصص في العلوم النظرية لا يهدف بشكل مباشر إلى بناء أدوات وابتكارات لحل المشاكل. وإنما يعتمد فقط على القلم والورقة والكثير من التأمل والتفكير للوصول إلى فهم أعمق لهذا الكون.

بين الذرة والقطة: مدخل إلى العالم السفلي

تختلف الفيزياء الكلاسيكية عن فيزياء الكم بأن الأولى تحاول أن تصف عالماً نعيشه ونختبره بشكل دائم في حياتنا، أما الثانية فتتحدث عن عالم لم يختبره أحدٌ قط. وبما أننا نعتقد بأن عالم الذرة هو أصل عالمنا الذي نعيش فيه، فمن الطبيعي أن نفترض بأن طبيعة ذاك العالم تشبه إلى حد ما طبيعة عالمنا هذا.

وعقل الإنسان يسبق حواسه، فهو يستطيع بعقله أن يتصور وجود عالم سفلي، ويحاول بالوسائل المتاحة أن يتلمس معالم ذاك العالم. والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف سنصف ذاك العالم؟ لابد من أن نستخدم الكلمات. وهنا تبدأ المشكلة.

فتلك الكلمات تتعلق بمفاهيم مرتبطة بعالمنا هذا. خذ مفهوم المكان على سبيل المثال. فعبارة مثل: “القلم موجود فوق الدفتر” صحيحة نحوياً. كما أنها تشير إلى معنى مفهوم وواضح في الذهن. فنحن في حياتنا اليومية ندرك بأن بعض الأشياء لها أمكنة محددة كالقلم مثلاً. ولكن بإمكاني أن أقول: “حبك في قلبي”، وهي عبارة رمزية ولا تتحدث أبداً عن المكان كمفهوم فيزيائي، وستخسر حبي مباشرةً إذا سألتني: أين هو مكان ذلك الحب بالضبط؟ فالقلب كما تعرف مكون من أذينين وبطينين!

الآن، ما رأيك إن قلت لك بأنه في أحد العوالم لا يمكن الحديث عن مكان للقلم؟! ففي ذاك العالم توجد أقلام ولكن ليس لها أمكنة محددة. أترانا نتحدث عن أقلام هي كالأقلام التي نعرفها في حياتنا؟ بالطبع لا، فهي وإن كان لها نفس الإسم إلا أنها أشياء مختلفة تماماً. هي أشياء لا مثيل لها أبداً في عالمنا الذي نعيشه بحواسنا. هذه هي مشكلتنا تماماً مع “الذرة”.

والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف سنصف وندرس من عالمنا هذا ذاك العالم وأقلامه؟ كيف يمكن أن نتجاوز هذا البرزخ الذي يفصلنا عن ذاك العالم؟ الواقع أن الجواب فرض نفسه من خلال التاريخ. ففي البداية كانت التجارب تشير إلى أن الذرة تشبه كرة مصمتة. إذاً يمكن الحديث عن مكان محدد لها. ثم تبين في تجارب أخرى أنها تشبه الموجة. وهذا ما يسمى ازدواجية موجة-جسيم.

فالصفة الجسيمية للعناصر الذرية تعني بأنه يمكن أن نتصور هذه الأجسام كالكرات التي نراها في حياتنا اليومية. فمثلاً عند اصطدام إلكترون بصفيحة مطلية بمادة حساسة نلاحظ تألق الصفيحة في مكان محدد. ويمكن أن يصطدم جسيمان ويتفاعلا مع بعضهما بطريقة تشبه ارتطام الكرات في عالمنا.

ومن جهة أخرى فإنه من الممكن ملاحظة بعض الظواهر التي لا يمكن تفسيرها دون الافتراض بأننا نتعامل مع موجة. خذ مثلاً ظاهرة تداخل الأمواج الموضحة بالشكل التالي:

wavesالشكل 1: تداخل الأمواج

يمكن أن تنظر إلى هذا الشكل على أنه حوض من الماء. تنطلق الموجة من الطرف اليساري، وتصطدم بحاجز في الوسط يحوي فتحتان، كل فتحة تنتج موجة بدورها. تتداخل الموجتان مع بعضهما، ويسبب التداخل بقاء بعض النقاط ثابتة لا تهتز أبداً (هي النقاط ذات اللون الداكن). لاحظ أنه في أقصى اليمين يوجد حيز يسجل شدة اهتزاز النقاط عند اصطدام الموجة بالطرف اليميني للحوض. فاللون الفاتح يشير إلى نقاط تهتز بشدة. واللون الداكن يشير إلى نقاط ثابتة. نلاحظ أن هذا الحيز قد انقسم إلى مناطق متعاقبة بين الفاتح والداكن. يطلق على هذا التعاقب اسم اهداب التداخل.

الآن، لو استبدلنا حوض الماء هذا بحوض مفرغ من الهواء، واستبدلنا الحيز اليميني بصفيحة مطلية بمادة حساسة واستبدلنا منبع الأمواج بمنبع للإلكترونات بحيث يطلق الكترونات واحداً تلو الآخر، ولا يطلق الإلكترون التالي إلا عند وصول الإلكترون السابق وارتطامه بالصفيحة، فإننا سنحصل على الشكل التالي:

Wave-particle_duality الشكل 2: أهداب التداخل على الصفيحة الحساسة

قلنا سابقاً بأن اصطدام الإلكترون بالصفيحة يؤدي إلى تألقها في مكان محدد. يظهر الشكل الأماكن التي تصطدم فيها الإلكترونات إذا تركنا المنبع يعمل لفترة من الزمن. نلاحظ نشوء أهداب التداخل. كيف يمكن تفسير هذه الأهداب؟ لو كانت الإلكترونات تسلك سلوك الكرات، لتجمعت مقابل الشقين، ولظهرت منطقتان متألقتان. أما أن تظهر هذه الأهداب بهذا الشكل، فهذا يدل على أن كل إلكترون يسلك سلوك الموجة.

الآن، لو سألنا أحدهم: من أي الشقين دخل الإلكترون؟ لما كان لسؤاله معنى. فالإلكترون تصرف كـ”موجة” ودخل بهذه الصفة من الشقين. ولو أنه تصرف ككرة ودخل من أحد الشقين لاختفت أهداب التداخل ولحصلنا على منطقتين متألقتين. وهذا ما يحدث لو حاولنا أن نرصد “مكان” الإلكترون اثناء تحركه ضمن الحوض. يبدو أنه قد عدنا لاستخدام كلمة “مكان”.

إن استخدام كلمة مكان تتعارض مع فكرة أن الإلكترون موجة، ولو أننا “يبسنا رأسنا” وأصررنا على تصور الإلكترون ككرة وحاولنا أن نرصد مكانه وفق هذا التصور لاختفت الأهداب فعلاً. فمثلاً إحدى طرق التقاط “مكان” الإلكترون هي أن نسلط عليه حزمة ضوئية وأن نرى انعكاس الضوء عنه. فإذا فعلنا ذلك نستطيع أن نرصد “مساراً” للإلكترون، ولكن تختفي أهداب التداخل! وجميع التجارب التي أجريت وفق هذا التصور منيت بهذا الفشل الذريع! بعبارة أخرى، لا تظهر الأهداب إلا إذا احترمنا أن الإلكترون موجة وتعاملنا معه على هذا الأساس.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، إذا كان الإلكترون موجة، فلماذا نلتقط فقط نقطة واحدة على الصفيحة الحساسة؟ لماذا لا نلتقط أكثر من نقطة لنفس الإلكترون؟ الجواب هو أن الإلكترون يسلك سلوك الموجة فقط عندما لا نراه، أما عندما نحاول أن نراه فهو “يتحول” إلى ما يشبه الكرة! وهذا ما يسمى بازدواجية الموجة والجسيم. بعبارة أخرى، عملية القياس لا تكشف عن مكان الإلكترون وإنما تخلق ذلك المكان!

إذاً حتى نستطيع أن نصف ذلك العالم السفلي من مكاننا هنا، لابد أن نستخدم صفتين متناقضتين للأشياء من عالمنا: صفة الأمواج وصفة الجسيمات. وهي أوصاف استعرناها من عالمنا لنصف عالماً آخراً يختلف بشكل كامل عما نراه في حياتنا.

هل يمكن القبول بهذا التوصيف كحل؟ الواقع أن هذين العالمين ليسا منفصلين تماماً، ويمكن تخيل تجربة تنقل التناقض من ذلك العالم السفلي إلى عالمنا، وإليك ما يسمى بقطة شرودنغر. تصور لو أن أحدهم قال لنا: لدي هذه القطة العزيزة، سأضعها في ماكينة لفرم اللحمة. وسأصل الماكينة إلى مقبس الكهرباء. وهنالك دارة مربوطة إلى الشقين تقوم بما يلي: إذا دخل الإلكترون من الشق الأول فإن الدارة تغلق وتمر الكهرباء إلى الماكينة فتدور. وتبقى الدارة مفصولة إذا مر الإلكترون من الشق الثاني. سأطلق الآن إلكتروناً واحداً. وسؤالي لك: ماذا سيحصل للقطة؟ تجربة جميلة فعلاً.

قلنا له: صوت الماكينة يلعب دور جهاز القياس. رد علينا: بسيطة، سأعزل هذا الجهاز تماماً عن الوسط الخارجي بحيث لا يستطيع أحد معرفة أي شيء عن الجهاز. والسؤال الذي يطرح نفسه هو، كما قال أنيس لبدر: ماذا حدث هنا؟

ما يحاول ذلك الرجل فعله هو نقل صفة الموجية من الإلكترون إلى القطة. وبالتالي أي تفسير لهذه الصفة ينتقل بشكل مباشر إلى القطة المحظوظة. فإن كنا نقول بأن الإلكترون ليس له مكان محدد باعتباره موجة، فهذا يستلزم بأن القطة أيضاً ليس لها حالة محددة، ولكن على أي اعتبار؟ وإذا قلنا بأن صفة الموجية تعني بأن الإلكترون قد دخل من الثقبين معاً (وهو تفسير أرفضه وبشدة)، فإن ذلك يعني أن القطة حية وميتة في نفس الآن! وإذا قلنا بأنه توجد اكوان متوازية ومتطابقة وكل إلكترون في كل عالم يدخل من أحد الثقبين، فإن ذلك يعني أنه توجد قطط متوازية أيضاً في كل كون وكل قطة توافق حالة الإلكترون المرافق لها.

ويبقى الجدل مستمراً حول تفسير ميكانيك الكم. دمتم بخير!

متفرقات في الرياضيات والفلسفة وأمور أخرى!

سنناقش في هذه المقالة مجموعة من المسائل التي قد تبدو بديهيةً لأول وهلة ولكنها  تتصل بقضايا جوهرية في الفلسفة والرياضيات والكون. لا أهدف هنا – في معظم الطروحات- إلى تقديم إجابات، وإنما إلى تنبيه الأذهان إلى اسئلة قد تبدو بسيطة ولكنها ذات مغزى فلسفي عميق. لنبدأ إذن وبالله نستعين.

1 + 1 = 2؟

لا اعتقد أنه توجد علاقة في الرياضيات أبسط من هذه. ولكن دعونا ننسى –ولو مؤقتاً- جميع الحواجز النفسية التي وضعها التعليم والمجتمع في عقولنا إذ أوهمنا بأننا أصبحنا ذوي معرفة عميقة، دعونا ننسى تلك الحواجز مؤقتاً ولنتجرأ ولنسأل، لماذا؟ لماذا 1 + 1 = 2؟ اعتقد أن معظمنا سيشعر بالغيظ والضيق لو سأله أحد هذا السؤال، فالعلاقة واضحة بداهةً. ضع السبابة بجانب الوسطى وستجد أن لديك أصبعان. ضع تفاحة بجانب تفاحة وستملك الآن تفاحتين. ولكن لو تأملنا قليلاً في هذه “البراهين” لوجدنا أنها تقوم على أمرين اثنين:

1- أنها تعتمد على الواقع الفيزيائي لبرهان علاقة رياضية، الأمر الذي يطرح السؤال التالي، هل الرياضيات علم “مجرد” لا علاقة له بالواقع الفيزيائي أم أنه يعتمد “حتماً” على ذلك الواقع؟ وبالتالي من الممكن أن نتخيل عالماً آخراً نجد فيه مثلاً 1 + 1 = 3؟

2- أن هذه البراهين – كحال معظم النظريات الفيزيائية – تعتمد على الاستقراء. أي أنها تنتقل بالتعميم من مجموعة مشاهدات محدودة إلى جميع الظواهر. فمثلاً لو أنك أمسكت علبة تحوي 10 بيضات، ولاحظت أن تاريخ الصلاحية قد انتهى منذ شهرين. ومع ذلك قمت بكسر أول بيضة لتجد رائحة العفن الرائعة قد فاحت وملأت المكان. ثم كسرت الثانية لتجد أنها أيضاً عفنة. ومع ذلك تابعت مهمتك النبيلة بشجاعة حتى كسرت 9 بيضات وأصبحت رائحة المكان لا تطاق. والسؤال الآن، ماذا ستقول عن البيضة العاشرة؟ معظمنا سيقول أن هذه البيضة حتماً عفنة. ولكن حتماً هنا ليست جازمة، حتماً هنا تشير إلى توقعنا، لا إلى الواقع. إذ من الممكن أن تكسر البيضة فتظهر لك طازجةً لماعةً بصفارها الرائع وكأن الدجاجة قد باضتها للتو!

وبما أن هذه “البراهين” تقوم على الاستقراء، إذاً من الممكن أن نجد غداً مجموعة من العناصر التي تحقق مثلاً 1 + 1 = 3، أو هل يمكن ذلك؟

يمكن أن ننظر إلى الأمثلة السابقة لا على أنها براهين، ولكن على أنها “أمثلة” لهذه العلاقة، وهنا نعود إلى نقطة البداية، لماذا 1 + 1 = 2؟

هنالك نقطة مهمة في هذه العلاقة وفي معظم الرياضيات عموماً (يمكن استثناء نظرية الاحتمال مما سيأتي)، وهي أنه من الممكن بمجرد التفكير فقط أن نقوم بعملية الجمع. يمكن أن أفكر بأن لدي سبابة ووسطى، وبالتالي أنا الآن أفكر بأصبعين، بـ 1 + 1. والنتيجة حتماً 2 ولن تتغير حتى لو وضعت السبابة بجانب الوسطى فاختفت السبابة، أو ظهر أصبع ثالثة بينهما. هذه الظواهر الفيزيائية “لن تغير” من حسابي الذهني شيئاً. وهذه الفكرة تدفعنا إلى سؤال بين قوسين وهو: إذا كانت الرياضيات عملية ذهنية بحتة لا علاقة لها بالواقع الفيزيائي، فلماذا نستخدم الرياضيات لتوصيف ذلك الواقع؟ ولماذا نجحنا (حتى الآن) في اكتشاف قوانين رياضية للواقع؟

ملاحظة أخيرة قبل الانتقال إلى فكرة أخرى، وهي أنه يمكن أن نفرق بين أمرين، بين المعاني التي تحملها الرموز، وبين الرموز نفسها. فمثلاً تتكون العلاقات التالية في الأصل من تتالي من الرموز.

I + I = II

A + A = B

وبإعطاء هذه العلاقات معاني معينة يمكن جعلها مكافئة للعلاقة السابقة. تقودنا هذه الفكرة إلى ما يسمى البراهين الصُّورية (Formal Proofs). والتي تعني أنه يمكن إيجاد مجموعة من المسلمات التي يمكن باستخدامها وباستخدام المنطق الصُّوري (Formal Logic) الوصول إلى سلسلة من الرموز تكافئ 1 + 1 = 2. ونقول عن علاقة أنها صحيحة إذا أمكن الوصول لسلسلة الرموز المكافئة انطلاقاً من المسلمات. في البراهين الصورية لا نعتمد على المعاني للبرهان، وإنما نعتمد فقط على التعامل مع الرموز بطريقة ميكانيكية.

الاحتمالات: عندما يقع الحدث المستحيل!

(ملاحظة: يتطلب هذا المقطع بعض الإلمام بنظرية الاحتمالات، ويمكن تجاوزه إلى الفكرة التالية)

من أكثر القضايا التي أربكتني أثناء دراستي لنظرية الاحتمالات هي فكرة المتحولات العشوائية المستمرة. فمثلاً لنأخذ المتحول العشوائي المنتظم المعرف على المجال بين الصفر والواحد. بمعنى أننا نختار بشكل عشوائي رقم حقيقي بين الصفر والواحد، كيف يمكن دراسة احتمالات هذه التجربة؟

تنص كتب الاحتمالات (وتباً لتلك العبارة) على تعريف تابع يسمى تابع الكثافة الاحتمالية لدراسة هذا النوع من المتحولات العشوائية. يمكن حساب الاحتمال بأن نكامل هذا التابع على المجال المطلوب. فمثلاً، احتمال أن يكون الرقم بين 0 و 0.5 هو

clip_image002

حيث f هو تابع الكثافة الاحتمالية. وتظهر المشكلة عند المقارنة مع المتحولات العشوائية المتقطعة. فمثلاً في تجربة اختيار رقم طبيعي بشكل عشوائي بين 1 و10 نجد أن احتمال ظهور أي رقم هو (0.1). هل يمكن لنا أن نسأل نفس السؤال في حالة المتحولات العشوائية المستمرة؟ ما هو احتمال ظهور الرقم 0.25 مثلاً في تجربة اختيار رقم حقيقي بين الصفر والواحد؟

إن تعريف الاحتمال بالتكامل يؤدي حتماً إلى النتيجة “المربكة” التالية: احتمال ظهور أي رقم محدد هو 0! فمثلاً يمكن حساب احتمال ظهور الرقم x كالتالي:

clip_image002[5]

وذلك لأن التكامل ينعدم عند تطابق حديه. والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان احتمال ظهور أي رقم هو الصفر، كيف يمكن أن يكون احتمال ظهور مجموعة من الأرقام (مثل المجال المحصور بين 0 و 0.5) أكبر من صفر؟

يمكن إعادة طرح السؤال بطريقة أخرى، تصور لو أننا وضعنا كل رقم حقيقي من المجال المحصور بين 0 و1 في مجموعة مستقلة. إذاً أصبح لدينا عدد كبير من المجموعات، كل مجموعة تحوي رقماً واحداً. وتعبر كل مجموعة عن الحدث الذي يقع عندما يظهر الرقم الحقيقي الموجود فيها. وبما أن كل مجموعة تحوي رقماً واحداً فقط، إذاً احتمال وقوع هذا الحدث هو 0. ولكن لابد أن يظهر أحد الأرقام بين الصفر والواحد، أي لابد أن يقع أحد الأحداث السابقة التي احتمال كل واحد منها هو الصفر، أي لابد أن يقع الحدث المستحيل!

بدايةً قد يشعوذ أحد الدكاترة على طلابه (وكثيراً ما يشعوذون) فيقول بأن هذه هي صفة المتحولات العشوائية المستمرة! والواقع أن هذا “الجواب” لا علاقة له بالسؤال، فالسؤال لم يكن: ما هو نوع المتحولات العشوائية الذي يتمتع بهذه الصفة؟. وقد ذكرنا صراحةً في البداية أننا نتعامل مع المتحولات العشوائية المستمرة، وسؤالنا هو: لماذا؟ ألا يمثل ذلك تناقضاً منطقياً صريحاً؟

الواقع أن جواباً (جزئياً) يمكن أن يكون كالتالي: تعرف الاحتمالات في المتغيرات العشوائية المستمرة بالمساحة التي تشغلها مجموعة. (الواقع أن السكوت هنا لا يعدو عن كونه أحد أنواع الشعوذة الأخرى التي يمكن ممارستها: إلقاء بضع كلمات دون وجود محتوى حقيقي، ولذلك لابد من التفصيل للخروج من هذا المأزق!).

تصور لو أن لديك مربعاً، وأريد أن اختار نقطة منه بشكل عشوائي، ما هو احتمال أن تقع هذه النقطة في النصف العلوي؟ الجواب البديهي هو 0.5 (وبرهانه الرياضي يعتمد على التناظر، إذ أن تدوير المربع 180 درجة يؤدي إلى الحصول على نفس المربع تماماً مع تحول النصف العلوي إلى سفلي، وبما أنه لا يمكن أن نفرق بين الحالتين (قبل وبعد الدوران) فإن احتمال النصف العلوي يساوي تماماً احتمال النصف السفلي، ومجموع الاحتمالين هو 1 (لماذا؟)، إذاً احتمال كل نصف هو 0.5). يمكن بديهياً استنتاج أن الاحتمال يتناسب مع مساحة المنطقة. إذاً يمكن حساب الاحتمال عن طريق إيجاد تابع يحسب مساحة المجموعة. ولكن، لو اخترنا نقطة معينة من المربع السابق، وسألنا، ماهي مساحة هذه النقطة؟ النقطة لا سطح لها، ومساحتها صفر (هنالك برهان رياضي أيضاً لهذه الفكرة ولكن سأكتفي بالبديهة). فالمساحة لا تنتج من نقطة وإنما من تجاور مجموعة من النقاط. وبالتالي فمساحة المجموعة المكونة من نقطة واحدة هي الصفر. وبما أن الاحتمال يكافئ المساحة، فاحتمال المجموعة هو صفر.

دعنا نتأمل قليلاً في التفسير السابق. برر هذا التفسير الانتقال من الاحتمال الصفري في حالة المجموعات المكونة من عنصر واحد إلى احتمالات أكبر من صفر في حالة المجموعات المكونة من تجاور عدد من النقاط التي تشكل سطحاً ذي مساحة. ولكن السؤال الذي بقي قائماً، هذا التعريف أدى إلى وقوع أحداث احتمالها صفر، فكيف يمكن توفيق ذلك مع نظرية الاحتمال؟ أليس الحدث المستحيل هو الحدث ذي الاحتمال الصفري؟

الواقع أن استخدام المساحة في تعريف الاحتمالات انعكست على نظرية الاحتمال نفسها. فالحدث المستحيل هو الحدث الذي لا يقع أبداً، أما الحدث شبه المستحيل (Almost never) هو الحدث ذي الاحتمال الصفري، ولكن يمكن أن يقع! وبالتالي وفي المتحولات العشوائية المستمرة، الاحتمال الصفري لا يعني بالضرورة استحالة الوقوع، وإنما قد يعني أن المساحة معدومة.

فيثاغورث والمسطرة وأضواء النجوم!

يمكن تصنيف علاقة فيثاغورث في المثلث القائم ضمن العلاقات الرياضية الأكثر شهرة، وتنص ببساطة على أن مربع طول الوتر يساوي مجموع مربعي الضلعين القائمين.

200px-3-4-5_triangle.svg

الشكل الأول: حسب فيثاغورث 25 = 9 + 16

يمكن إعادة صياغة علاقة فيثاغورث بعدة طرق، أشهرها هي فكرة المسافة بين نقطتين. فلو كان لدينا نقطتين إحداثيات الأولى (x1,y1) وإحداثيات الثانية هي (x2,y2). فإن المسافة بينهما تعطى بالعلاقة التالية

clip_image002[7]

أو كما تعلمنا في المدرسة: المسافة بين نقطتين تساوي الجذر التربيعي لـ (مربع الفرق بين السينات زائد مربع الفرق بين العينات).

ولكن لنتوقف لحظة، ماذا تعني “المسافة” هنا؟ أو بعبارة أدق، كيف يمكن قياس المسافة بين نقطتين؟ تتعلق عملية القياس بتحديد واحدة كالمتر مثلاً، ثم قياس عدد مرات تكرار هذه الواحدة لقطع المسافة بين النقطتين. وهنا تكمن المشكلة. لا يوجد أي شيء في العلاقة الرياضية السابقة يشير إلى أنه يجب أن يتم تعريف المسافة بهذا الشكل. وبعبارة أخرى، لا يوجد ما يشير إلى أن المسطرة يجب أن تكون خطية ومنتظمة، لماذا لا يتم تعريف المسافة بمسطرة لوغاريتمية مثلاً؟ قد يبدو ذلك غريباً للوهلة الأولى، ولكن لنفكر قليلاً في ذلك.

فالعين البشرية مثلاً تتحس الضوء بمقياس لوغاريتمي. فعندما ننظر إلى السماء نجد نجوماً بشدات سطوع مختلفة. تبين الصورة التالية كوكبة الجبار (Orion constellation) كما ترى من الأرض:

Abrams13c

الشكل الثاني: كوكبة الجبار كما ترى من الأرض. لاحظ تباين السطوع بين النجوم.

من الواضح أن هنالك نجوماً أشد سطوعاً من نجوم أخرى. والواقع أن السطوع الذي نراه بأعيننا لا يعبر عن السطوع الحقيقي. لعدة أسباب، بعضها يتعلق بالنجوم نفسها، إذ أن شدة السطوع تتعلق بالمسافة، وبالتالي النجوم الأبعد ستبدو أقل سطوعاً من النجوم القريبة. ومنها ما يتعلق بعين الإنسان، فحساسية العين للسطوع لوغاريتمية، والعلاقة التالية تربط شدة إضاءة النجوم كما تراها العين مع شدة إضاءتها الحقيقة:

clip_image002[11]

تستخدم هذه العلاقة للمقارنة بين نجمتين. إضاءة الأولى الظاهرية هي m1 والثانية m2. وشدة الإضاءة الحقيقة هي f1 و f2. لاحظ أنه إذا كانت الثانية أشد من الأولى ب100 مرة، فإن العين البشرية سترى أن الثانية ضعف الأولى.

وحساسية الإذن للصوت لوغاريتمية أيضاً. فلماذا لا يكون شعورنا بالمسافة لوغاريتمياً؟ وبالتالي يجب أن نستخدم مسطرة لوغاريتمية لقياس المسافة كالتالي:

arthlogs

الشكل الثالث: مقارنة بين مقياس خطي كالمسطرة العادية (القسم العلوي) ومقياس لوغاريتمي (القسم السفلي)

يظهر الشكل السابق العلاقة بين المسطرة العادية والمسطرة اللوغاريتمية. لاحظ أنه عند قطع نفس المسافة تتضاعف القيمة في المسطرة اللوغاريتمية، وهذا ما يظهر جلياً عند الانتقال مسافات مساوية للمسافة بين 1 و 2. نلاحظ أن الأرقام عند هذه المسافات هي 4، 8، 16.

الهدف هنا ليس عرض البرهان الرياضي لوجوب استخدام المسطرة العادية في حساب المسافات في الهندسة الإقليدية (وحتماً هنالك برهان)، ولكن الإشارة إلى أن استخدام هذه المسطرة ليس بديهياً وأنه يحتاج إلى برهان.

خاتمة

لا يتبدى جمال العلم بشكل عام والرياضيات بشكل خاص إلا إذا تحررنا من عملية التلقين وبدأنا نسأل ونفكر دون أن نلزم أنفسنا بالقناعة بما يمليه علينا الآخرون. فإذا اقتنعنا أكملنا، وإذا لم نقتنع توقفنا وسألنا. وما طرحته هنا مجرد ومضات من قضايا قد نظنها بسيطة ولكنها ترتبط مباشرة بفلسفة العلم والكون.

مدخل إلى مشكلة ميكانيك الكم

يقول ريتشارد فاينمان : (أعتقد أنه بإمكاني القول بثقة: لا أحد يفهم ميكانيك الكم). ويقول في مكان آخر: (لابد أنكم تعلمون بأن الأمور تجري دائماً بهذه الطريقة: كل فكرة جديدة تستغرق جيلاً أو جيلين حتى يتبين عدم وجود أي مشكلة حقيقية فيها. وبما أنني لا استطيع أن أحدد المشكلة هنا (في ميكانيك الكم)، فإنني أشك بوجودها أصلاً. ولكني – وفي الوقت ذاته – لست متأكداً من عدم وجودها أيضاً!).

عن أي مشكلة يتحدث فاينمان؟ ولماذا كل هذا الضجيج حول ميكانيك الكم؟ سأحاول في هذه التدوينة أن ألقي بعض الضوء على هذا الموضوع.

قطعة من الخشب: الحتمية

كان صباحاً جميلاً حين نزلت من منزلي متوجهاً إلى صلاة الجمعة التي يقيمها طلاب جامعة ماكجيل (McGill) في إحدى القاعات الكبيرة في تلك الجامعة. شخصياً أفضل الصلاة هناك لعدة أسباب منها أنني ألتقي بالعديد من الأصدقاء، كما أن مستوى الخطبة بشكل عام مقبول، إذ أحياناً يتبرع بعض الطلاب بإلقاءها، وأحياناً يقوم بعض “الضيوف” بذلك.

وقد دار موضوع تلك الخطبة في ذلك اليوم عن عدة أمور منها أن معظم المعارف الإنسانية هي في الأصل من تعليم الله المباشر للإنسان. وضرب الخطيب عدة أمثلة منها أن أول من بنى السفن كان نبي الله نوح بوحي من الله وعنه أخذ البشر هذه الحرفة! صراحةً، لم يعجبني هذا الكلام.

فأي إنسان يتمتع بالقليل من الفضول العلمي سيلاحظ أن قطعة الخشب تطفو على الماء، ولن يحتاج الأمر إلى الكثير حتى يحاول أن يضغط عليها أولاً ليلاحظ المقاومة التي تبديها تلك القطعة على يده، ثم يحاول أن يضع عليها شيئاً ويرى كيف ستحمله، ثم تلمع الفكرة: هل يمكن أن تحمل هذه القطعة إنساناً؟ وهنالك العديد من الأمثلة الأخرى المعاكسة لطرح الخطيب في تلك الجمعة مثل اختراع الطائرة.

فالعقل البشري قادر بدايةً على أن يلاحظ الظواهر المتكررة، ويفترض أننا إذا كررنا نفس الشروط البدائية سنحصل على نفس النتائج، أليس هذا هو المنطق؟ (بالرغم من أن العديد من البشر يتجاهلون هذه القاعدة اجتماعياً ويكررون نفس الأخطاء، والعجيب أنهم يتفاجؤون -في كل مرة- بنفس النتائج!)

وإذا تأملنا قليلاً في تجربة قطعة الخشب، نجد أنه حتى الإنسان البدائي يتبنى ضمنياً نموذجاً يسمح له بالتنبؤ بما سيحصل، فقطعة من الخشب حتماً ستطفو على الماء. ولولا هذه الحتمية لما أمكن التنبؤ ولما أستطاع الإنسان بناء السفن.

إذاً حتى نستطيع الاستفادة من هذا الكون، يجب أن يحوي ضمنياً نوع من الحتمية تسمح للإنسان بالتنبؤ. وهذا ما افترضه لابلاس إذ قال بأن معرفة حالة الكون في لحظة معينة تسمح لنا بأن نعرف حالته في أي لحظة تالية أو سابقة. فالكون – وفق لابلاس – محكوم بمجموعة من القوانين الحتمية التي إن عرفناها وعرفنا حالة الكون في لحظة ما نستطيع من خلالها أن نتنبأ بحالة الكون في أي لحظة تالية.

الفيزياء الكلاسيكية: نيوتن

قدم نيوتن (1642 – 1727) لأول مرة ثلاثة قوانين نستطيع من خلالها التنبؤ بحركة الأجرام في السماء وحركة الموجودات على هذه الأرض. هذه القوانين ربطت السماء بالأرض، وبينت أن القوانين التي تحكم دوران القمر حول الأرض مثلاً هي نفسها القوانين التي تحكم سقوط تفاحة من شجرة.

وبلغة لابلاس، يمكن القول بأن هذه القوانين تسمح لنا بتحديد حالة الجسم في أي لحظة إنطلاقاً من حالته في لحظة معينة.

طبعاً ذلك لم يلغ الفيزياء الاحصائية التي تستخدم نظرية الاحتمال، ولكن الحاجة إلى ذلك النوع من الفيزياء كان بسبب استحالة الإحاطة الكاملة بحالة بعض الأجسام كجزيئات الغاز مثلاً. فالاحتمالات في الفيزياء الكلاسيكية تعبر عن جهل الإنسان بكامل “المتغيرات” التي تحدد حالة الجسم.

يمكن تشبيه ذلك بطلاب الصف في المدرسة. فكل طالب له علامة محددة (ميكانيك نيوتن) في امتحان مادة ما. ويمكن حساب متوسط علامات الطلاب (الفيزياء الاحصائية) في ذلك الصف وتصنيف الصفوف بناءً على هذا المتوسط إلى متفوق وكسول.

وماذا عن ميكانيك الكم؟

تدرس كل نظرية فيزيائية جانباً من الكون. فمثلاً نظرية ماكسويل تدرس ما يعرف بالأمواج الكهرطيسية. ونظرية نيوتن تدرس حركة “الأجسام” تحت تأثير القوى (وهو ما يدرسه علم الميكانيكا بشكل عام). أما فيزياء الكم، فتدرس الظواهر الفيزيائية على المستوى الذري وما دون الذري، إذ لم تنجح نظرية نيوتن في تقديم تفسير لتلك الظواهر.

فمثلاً بإمكاني استخدام ميكانيك نيوتن لدراسة حركة رمي الكوب الذي أمامي، أما لدراسة أحد ذرات هذا الكوب فسأحتاج إلى ميكانيك الكم. والسؤال، إن كان الكوب مكوناً من مجموعة كبيرة من الذرات، ألا يمكن دراسة حركة رمي الكوب عن طريق دراسة حركة ذراته مجتمعة باستخدام ميكانيك الكم؟ إذاً يمكن القول بأن ميكانيك الكم هي النظرية الأساسية التي تفسر الكون، بينما تبقى نظرية نيوتن مجرد تقريب عندما نتعامل على أبعاد كبيرة نسبياً.

والمشكلة تظهر بسبب التعارض الشديد بين مسلمات ميكانيك الكم من جهة، وبين مسلمات نظرية نيوتن وتفاعلنا الشخصي مع الحياة اليومية من جهة أخرى. فميكانيك الكم تعطي نتائج احتمالية فقط، أي أن الاحتمال جزء اساسي من النظرية وليس بسبب التقريب (على الأقل ذلك ما يقوله بعض مؤيدي هذه النظرية) ولكن ما الذي يدفعهم لقول ذلك؟ إذ يمكن لنا ببساطة أن نقول بأن الاحتمالات هي بسبب وجود “متغيرات” غائبة عنا، وأننا إذا عرفنا هذه المتغيرات سنسترجع الحتمية الموجودة في نظرية نيوتن. وهذا ما قاله بالضبط آينشتاين. ولذلك اعتبر آينشتاين تلك النظرية غير كاملة. وبأنه توجد نظرية أعمق منها تعيد الحتمية للكون.

(قبل أن أتابع يجب أن أؤكد على نقطة مهمة. ميكانيك الكم عبارة عن مجموعة من المسلمات والعلاقات الرياضية التي لا تحوي ابتداءً أي معنى فلسفي. ويظهر التعارض بقبول مجموعة من المبادئ الفلسفية، ويمكن إزالة هذا التعارض تماماً واعتبار نظرية نيوتن هي النظرية المثلى لتفسير الكون وتحويل ميكانيك الكم إلى مجرد تقريب إذا قبلنا مجموعة مبادئ فلسفية أخرى، والمشكلة تتعلق بتوفيق ميكانيك الكم مع النظرة الفلسفية الشائعة، وليس مع أي نظرة فلسفية. الموضوع يحتاج إلى نقاش مطول لا مجال له الآن)

وقد ظلت القضية محصورة في جدل فلسفي حتى عام 1964 عندما نقلها John Bell إلى الحيز التجربي. وبرهن أن فكرة المتغيرات الغائبة يمكن أن تتعارض مع نتائج ميكانيك الكم إذا تبنينا مجموعة معينة من المبادئ الفلسفية. وبالتالي يمكن للتجربة أن تنسف إمكانية وجود نظرية تعيد الحتمية للكون بحيث تكون ميكانيك الكم مجرد تقريب لها. سأقدم فيما يلي نموذجاً مبسطاً عن البرهان الذي قدمه جون بيل.

باسم ورباب وقطع النقود الكمومية!

لنتصور وجود ست قطع من النقود الكمومية. لكل قطعة وجهان: كتابة (ك) وشعار (ش). ستقوم ميسون بوضع كل قطعة في علبة وستغلق هذه العلب. وسترقم هذه  العلب بالأرقام (1 – 2 – 3) بحيث يتكرر كل رقم مرتين. سيأخذ باسم ثلاثة علب (1 – 2 – 3)، وستأخذ رباب العلب الباقية ( أيضاً 1 – 2 – 3 ) ، كما توضح الصورة التالية:

QM1

الصورة 1: باسم ورباب والصناديق!

قواعد التجربة هي التالية:

1- لا يمكن لكل طرف أن يفتح أكثر من صندوق.

2- عندما يفتح أحد الطرفين صندوقه سيجد قطعة النقود إما كتابة أو شعار باحتمال متساوي. الاحتمال هنا يحتاج إلى تكرار التجربة (في كل مرة يتم إعادة جميع الصناديق إلى ميسون حيث تعيد توزيع الليرات ضمن الصناديق ثم ترجع الصناديق إلى باسم ورباب)

3- إذا فتح الطرفان صندوقين متقابلين سيجدان نفس الحالة لقطعتي النقود. مثلاً إذا فتح باسم صندوقه الثاني ووجد الكتابة، فإن رباب إذا فتحت رباب صندوقها الثاني ستجد أيضاً كتابة.

الآن، لنتصور أن قطع النقود عادية وليست كمومية، ماذا يمكن أن نقول عن هذه التجربة؟

أولاً يمكن أن نقول بأن حالة القطع محددة في كل صندوق قبل أن نفتحه، وأن عملية الفتح تكشف القيمة الموجودة مسبقاً ولا تخلقها. يمكن أن نقول أيضاً بأن الاحتمالات هي نتيجة جهلنا بتلك الحالة، ولو أن ميسون أخبرتنا بحالة النقود، لاستطعنا التنبؤ بشكل حتمي بنتيجة الفتح. كما أنه يمكن القول بأن الصناديق التي لم نفتحها تملك أيضاً حالة محددة، وأن الذي منعنا من معرفة حالة الصناديق الأخرى بعد فتح أول صندوق هو قواعد التجربة، وليس “عدم” وجود قطع النقود تلك.

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يجب علينا أن نقبل بـ هراء ميكانيك الكم، وأن نقول بأن هذه القطع كمومية، وأن الاحتمالات هنا صفة من صفات الكون ولا يمكن بناء نظرية تسمح لنا بمعرفة حالة الصناديق قبل الفتح، وأن الصناديق التي لم تفتح لا تحوي قيمة محددة لقطعة النقود؟ يكفي أن نفترض وجود متغيرات غائبة في كل صندوق، حيث تقوم ميسون بتحديد قيمة هذه المتغيرات، وعند معرفتها يزول الاحتمال تماماً ونستطيع التنبؤ بحالة لقطع النقدية. أليس كذلك؟ سنبرهن أن التجربة في حالة القطع النقدية الكمومية تتعارض مع هذا التصور.

بالرغم من أنه لا يمكن لكل طرف أن يفتح أكثر من صندوق إلا أنه يمكننا من خلال قواعد التجربة أن نعرف قيمة صندوقين مختلفين من الصناديق الثلاثة. فمثلاً إذا فتح باسم الصندوق الأول ووجد كتابة، وفتحت رباب الصندوق الثاني ووجدت شعار، فإننا نعلم -وفقاً لقواعد التجربة- أن صندوق رباب الأول يحوي كتابة، وصندوق باسم الثاني يحوي شعار. كما توضح الصورة التالية:

QM2

الصورة2: باسم فتح الصندوق الأول فوجد كتابة، إذاً صندوق رباب الأول يحوي كتابة (وفقاً للقاعدة الثالثة من قواعد التجربة). وبشكل مشابه نستنتج أن صندوق باسم الثاني يحوي شعار.

الآن، يوجد في كل طرف ثلاث قطع من النقود، وحالة كل قطعة إما كتابة أو شعار، إذاً يجب أن يوجد دائماً قطعتان على الأقل لهما نفس الحالة (كتابة أو شعار). يمكن أن نستنتج من  ذلك رياضياً المعادلة البسيطة التالية:

P12 + P23 + P13 >= 1

حيث P12 يعبر عن احتمال تطابق القطعة الأولى مع القطعة الثانية. قد يتعجب البعض ويقول كيف يمكن لاحتمال حدث أن يكون أكبر من 1؟ الواقع أن المجموع هنا لا يعبر عن احتمال حدث محدد، وإنما يعبر عن مجموع احتمالات ثلاثة احداث متقاطعة. وللتوضيح، تصور لو أن وجوه القطع الثلاثة دائماً متطابقة (كتابة كتابة كتابة أو شعار شعار شعار)، ما احتمال تطابق الوجهين الأول والثاني؟ الجواب هو 1، وهو نفس الاحتمال بالنسبة للوجهين الثاني والثالث وللوجهين الأول والثالث، ومجموع هذه الاحتمالات هي 3.

بالعودة إلى تجربتنا ذي القطع الكمومية، نستنتج من المعادلة السابقة أنه إن كان النموذج الذي طرحناه صحيحاً فإن مجموع احتمالات هذه الأحداث الثلاثة يجب أن يكون 1 على الأقل. هذه هي النتيجة الحتمية للنموذج الذي طرحناه. والسؤال الآن، كيف يمكن حساب قيم P12 و P23 و P13 في تجربتنا؟

يمكن حساب P12 ببساطة إذا فتحت رباب الصندوق الأول وفتح باسم الصندوق الثاني (أو بالعكس، ولا يهم الترتيب لأن قواعد اللعبة تضمن تساوي الصناديق المتقابلة)، وكررنا التجربة عدداً كبيراً من المرات. ثم طبقنا العلاقة البسيطة التالية:

الاحتمال = عدد المرات التي وقع فيها الحدث ÷ عدد مرات إجراء التجربة

أي أننا نقسم عدد المرات التي تطابقت فيها الوجوه على عدد مرات إجراء التجربة. ونقوم بنفس الأمر من أجل حساب P23 و P13. وهنا المفاجأة!

عند حساب هذه القيم على القطع الكمومية كانت النتيجة:

P12 + P23 + P13 = 0.75

كيف يمكن ذلك؟ كيف يمكن تفسير هذه النتيجة؟ كيف يمكن أن يكون مجموع هذه الأحداث أصغر من واحد؟ لو أردنا أن نفسر هذه النتيجة بقطع النقود العادية لكان ذلك يعني أن لدينا حالات (تقع باحتمال 0.25 على الأقل) تكون القطع الثلاث فيها مختلفة تماماً عن بعضها بالرغم من أنه لا يمكن لكل قطعة إلا أن تكون بإحدى حالتين: كتابة او شعار! طبعاً العبارة السابقة لا معنى لها إطلاقاً، وهي تكافئ عبارة وجود إلكترون في في مكانين مختلفين بنفس اللحظة. هي عبارات تنتج عن محاولات تفسير ظواهر كمومية بعبارات تستند إلى نماذج كلاسيكية (لا كمومية).

نستنتج من هذه التجربة أن قطع النقود الكمومية تختلف حتماً عن القطع العادية. وأنه لا يمكن إيجاد نموذج يعيد الحتمية للتجربة السابقة بحيث تبدو الاحتمالات ناتجة عن جهلنا بمتغيرات غائبة. بعبارة أخرى، بالرغم من أن فكرة آينشتاين منطقية جداً فإن التجربة تدحضها وتؤيد ميكانيك الكم. ولعل ذلك يفتح أبواب التساؤل على مصراعيها. وسأختم بمجموعة من هذه الاسئلة.

أهم سؤال يمكن أن نبدأ به هو: كيف يمكن تفسير النتيجة السابقة؟ ماذا ستقول لابنك إذا سألك عن مصير ال0.25 الأخرى؟ ماهي حالة قطعة النقود “قبل” أن نفتح الصندوق؟ وهنالك أيضاً اسئلة فلسفية كبرى تتعلق بحدود معرفتنا عن الكون: ما هو أقصى ما يمكن معرفته عن الكون؟ هل فعلاً يحق لنا أن نقول بأن مشكلتنا فقط هي بجهلنا للمتغيرات؟ أم أن هنالك حداً للمعلومات التي يمكن أن نحصل عليها في هذا الكون؟ هل بدأنا نصل إلى حاجز لا يمكن لنا تجاوزه وعلينا من الآن أن نبدأ بالسير بشكل مواز له؟

أتمنى أن أكون قد وفّقت في توضيح مشكلة ميكانيك الكم وعبارة فاينمان التي بدأنا بها: “لا أحد يفهم ميكانيك الكم”.

النظرية النسبية: ماذا حدث في سيرن؟ (الجزء الأخير)

تحدثنا في المقالة السابقة عن مبادئ النظرية النسبية وكيف أدت إلى مقتل ميسون على يد باسم من أجل رباب. سنتكلم اليوم عما حدث في سيرن تحديداً، وكيف سبق النيوترينوس الضوء! (أشعر وكأن النيوترينوس هذا أحد الأبطال الإغريق في ملحمة إلياد). وسنتطرق أيضاً إلى بعض التفسيرات المحتملة لهذه التجربة.

مجرد أنبوب… ولكن!

تجري أحداث هذه القصة المثيرة في أنبوب، ولكنه ليس كبقية الأنابيب.يصل هذا الأنبوب إيطاليا بسويسرا. يبلغ طوله حوالي 732 كم. ويخترق قشرة الكرة الأرضية ليبلغ عمق 11.4 كم عند المنتصف.

(الصورة 1: مخطط يوضح أنبوب التجربة*)

لاحظ أن الصورة السابقة غير متجانسة، إذ تعطي للقارئ الإيحاء بأن الأنبوب على عمق كبير مقارنة بطوله. والحقيقة أنك إذا لاحظت المقياس الموجود في زاوية الصورة ستجد أنه غير متساوي، (كل سم أفقي يكافئ 50 كم، بينما السم الطولي يكافئ 5 كم فقط). ولو اننا أكملنا رسم الكرة الأرضية وفق هذا المقياس لوجدناها مفلطحة إلى حد كبير.

أعتقد أن الإنسان لا يستطيع تقدير الأرقام بشكل جيد، فماذا يعني 732 كم؟ لو أردنا بناء مثل هذا الأنبوب في سوريا الغالية لانطلق من درعا ولوصل إلى المالكية (منطقة بعد القامشلي)، كما يبين الشكل التالي (الصورة مأخوذة من خرائط غوغل، أحد المشاركين في المؤامرة الكونية كما يرى أحد عباقرة السياسة السورية):

Cern-Syrie

(الصورة 2: تجربة سيرن في سوريا!)

لاحظ أن المسافة بين درعا والمالكية على خرائط غوغل هي المسافة على سطح الكرة الأرضية، وبالتالي إذا أردنا للأنبوب أن يخترق القشرة الأرضية بشكل مستقيم، فإن طوله سيكون في هذه الحالة أصغر من 732 كم (سوريا في الواقع أكبر من ذلك بكثير، هي بمقاييس التضحيات من أجل الحرية من أكبر دول العالم).

يبين الجدول التالي بعض الأزمنة اللازمة لقطع هذا الأنبوب:

الظاهرة أو المخلوق السرعة (تقريبية) الزمن اللازم لقطع الأنبوب
السلحفاة 300 م في الساعة 101 يوم
الأرنب 48 كم في الساعة 15 ساعة
إنسان يمشي 5 كم في الساعة 6 أيام
إنسان يركض 24 كم في الساعة 30 ساعة
سيارة 100 كم في الساعة 7 ساعات
الصوت عند سطح البحر 340 م في الثانية 35 دقيقة

اعتقد أن آخر رقم يبين بوضوح طول هذا الأنبوب، فإذا أطلقت صرخة في أوله، ستحتاج إلى حوالي النصف ساعة لتصل إلى آخره (إذا افترضنا أنها لن تتخامد في الطريق)!

ما هو النيوترينوس؟

لو سألنا: ما هي الشجرة؟ ماذا يمكن أن يكون الجواب؟ فكر قليلاً. اعتقد أن الإجابات تتلخص في أحد الأشكال التالية:

هي نوع النباتات. هذا النوع من الأجوبة هو عبارة عن تجريد للكائن وإعادته للأصل، ويكون هذا الجواب مقنعاً إذا كان الأصل معروفاً لدى السائل. بشكل مشابه، يمكن أن نقول بأن النيوترينوس أحد “الجسيمات الذرية”.

تتكون بشكل عام من جذع وساق وأوراق. هذا النوع يعتمد عن مكونات الكائن، عن أجزاء الكائن. وبالتالي، هل توجد مكونات للنيوترينوس؟ سؤال صعب. وفقاً لمعلوماتي، لا توجد مكونات للنيوترينوس بنفس الشكل الذي نعنيه بالنسبة للأشجار.

هذه هي الشجرة!( نقوم بعرض صورة للشجرة أو بالإشارة إلى شجرة قريبة). هذا النوع يعتمد على الحواس لتوضيح الكائن. يمكن بشكل مشابه وصف الكائن كأن نقول بأن له أوراقاً خضراء طرية وجذع بني وإلخ.. بالنسبة للجسيمات الذرية، فإنه لا يمكننا مشاهدتها كما هي. ولكن يمكن أن نشاهد آثارها عندما نجري تجربة ما. مثلاً استضاءة مادة معينة عند سقوط “حزمة” من النيوترينوس عليها.

كائن ينشأ من الأرض. يقترن هذا النوع من الأجوبة بأحد الأنواع السابقة. وبشكل مشابه، نقول بأنه يمكن الحصول على النيوترينوس من خلال نوع آخر من الجسيمات الذرية التي تتفكك في شروط معينة إلى عدة جسيمات أخرى منها النيوترينوس.

عندما يولد النيوترينوس!

أول مرحلة من مراحل هذه التجربة هو توليد النيوترينوس وتسريعه. تبين الصورة التالية منصة التوليد المستخدمة في سيرن.

Neutrinos_Generation

(الصورة 3: منصة توليد النيوترينوس في سيرن)

تبدأ العملية بإطلاق حزمة من البروتونات وتسريعها إلى حد معين من خلال حقل مغناطيسي شديد. تتحول هذه البروتونات إلى جسيمات ذرية أخرى تدعى الميون. تجري هذه العملية في القسم الأزرق الأول. طول هذا القسم حوالي 100 متر. تدخل بعد ذلك جسيمات الميون إلى نفق الاضمحلال ذو اللون البرتقالي. وهو نفق مفرغ من الهواء طوله حوالي 1 كم. في هذا النفق تتحول بعض جسيمات الميون إلى جسيمات النيوترينوس. بعد ذلك، يتم تصفية الشعاع الناتج من جسيمات الميون الباقية من خلال كاشفي جسيمات الميون (الكاشف الأول والكاشف الثاني). ينطلق الشعاع الناتج باتجاه “غران ساسو” في إيطاليا.

مبدأ القياس

تعلمنا جميعاً من كتاب القراءة في الابتدائي أن السرعة هي المسافة على الزمن. وبالتالي لحساب سرعة رجل يركض، نقيس المسافة التي قطعها، والزمن الذي استغرقه ثم نقوم بحساب النسبة المطلوبة. ولكن ليس تماماً في حالة النيوترينوس!

فآلية التوليد السابقة تظهر نقطة مهمة، وهي أن العملية ليست أمراً حتمياً وإنما قضية احتمالية. فمثلاً وللتبسيط نقول: إذا بدأنا العملية بحزمة مكونة من 1000 بروتون فإننا قد نحصل في النهاية على 100 نيوترينوس باحتمال معين. وقد نحصل على 50 باحتمال آخر. كما أننا لا ندري أي من البروتونات سيتحول إلى نيوترينوس وأيّها سينتهي به المآل في أحد كواشف الميون. إذاً ما نملكه من عملية التوليد هو مخطط بياني يوضح احتمال ولادة عدد معين من النيوترينوس.

كما أن عملية القياس تعاني من مشكلة مشابهة. فعند ورود نيوترينوس إلى جهاز القياس، فإن أقصى ما يمكن معرفته هو احتمال أن يتنبه الجهاز لورود هذا النيوترينوس. إذاً ما نملكه أيضاً عند القياس هو مخطط بياني يوضح ما تم قياسه، ولا ينطبق مخطط القياس على مخطط التوليد.

تشبه هذه العملية ما نشعر به عندما يجلس أحدنا في غرفة ويسمع حديث إنسان آخر في غرفة مجاورة. فالإشارة الصوتية التي تصل إلينا مختلفة قليلاً (أو كثيراً حسب سماكة الجدار) عن الإشارة التي خرجت من فم المتكلم.

ولذلك، فإن عملية القياس هي حتماً احتمالية، وتتم عن طريق حساب انزياح منحني التوليد عن منحني القياس. فمثلاً منحني التوليد يتراوح بين الثانية صفر والثانية واحد. ومنحني القياس يتراوح بين الثانية 10 والثانية 11. إذاً يمكن أن نقول بأن وسطي الزمن هو 10 ثواني وفق احتمال معين.

حتى الأقمار الصناعية!

من الضروري جداً حساب المسافة بين المرسل والمستقبل بشكل دقيق. وعندما تكون المسافة كبيرة – مثل هذه الحالة – فإن الحل الأمثل هو قياس هذه المسافة من خلال الأقمار الصناعية. كانت دقة عملية القياس بحدود 20 سم. طبعاً في مثل هذا النوع من التجارب لابد من الأخذ بعين الاعتبار تأثير الانزياح القاري الذي يؤدي إلى تغيير المسافة بين المرسل والمستقبل بشكل دائم. تظهر الصورة التالية تغير موقع المستقبل خلال قياسات أخذت بشكل يومي لمدة 3 سنوات تقريباً. لاحظ أنه تم التقاط زلزال في منتصف عام 2009 أدى إلى انزياح ملحوظ في مكان المستقبل.

GPS

(الصورة 4: قياسات مكان المستقبل بشكل يومي. المحور الأفقي هو الزمن، والمحور العمودي هو الإنزياح. المخطط الأول يعطي انزياح العمق داخل القشرة الأرضية، المخططان الثاني والثالث يحددان انزياحات المستقبل لخطوط الطول والعرض)

تفسيرات وردود

أظهرت هذه التجربة دليلاً إحصائياً يشير إلى أن النيوترينوس تمكن من هزيمة الضوء في سباق الماراثون هذا! وقد أثارت هذه النتائج زوبعة من ردود الأفعال والتفسيرات، سنستعرض عينة منها بشكل سريع.

يرى “ميشيل غونان”، من “إيكول بوليتكنيك” الفرنسية، أنه من المبكر الحديث عن تفوق النيوترينوس على الضوء. ويقول على هذه التجربة (إنه حقاً لعمل رائع، لا يوجد هناك شك حول صحة الأرقام. ما نود معرفته الآن هو ما إذا كانت هذه الأرقام تمثل فعلاً سرعة النيوترينوس بين المرسل والمستقبل. يجب أن نتأكد من أن هذه الأرقام ليست بسبب خطأ ما أو مشكلة معينة لم يستطع أصدقاؤنا في سيرن ملاحظتها)

يرى “غي ورمسر” أن هذه التجربة قد تم إجراؤها بحرص شديد (ولكن لا توجد أي نظرية فيزيائية تستطيع تفسير مثل هذه التجربة التي تخالف جميع التجارب الأخرى، وبالتحديد، نتائج مشاهدة انفجار السوبر نوفا عام 1987). ففي ذلك العام وصل إلى الأرض نتائج انفجار سوبر نوفا وقع على مسافة 168 ألف سنة ضوئية (السنة الضوئية هي واحدة لقياس المسافة وليس الزمن، وهي المسافة التي يقطعها الضوء في الفراغ خلال سنة). في هذه التجربة تم تسجيل وصول جسيمات النيوترينوس المتولدة عن هذا الانفجار قبل وصول الفوتونات. إلا أن الفاصل بينهما كان ضئيلاً لدرجة يمكن عزوها إلى اخطاء في القياس. يعلق “غي” قائلاً (لو أردنا أن نسحب نتائج تجربة سيرن على هذا الانفجار، لكان يتوجب على جسيمات النيوترينوس أن تصل إلى الأرض قبل الفوتونات بأربع سنوات. ولكن الفارق في تلك التجربة كان بضعة ساعات. بالنسبة لي، تجربة الانفجار الكوني أدق بكثير من تجربة سيرن).

ماذا الآن؟

الخطوة التالية الآن هي محاولة الحصول على نفس النتائج في أماكن أخرى من العالم مثل مسرع T2K الموجود في اليابان. وتكرار التجربة في أكثر من مكان دليل يثبت صحة هذه التجربة أكثر. كما يوجد اقتراح بإعادة تكرار هذه التجربة، ولكن على مستوى طاقي يشبه المستوى الذي وقع فيه انفجار السوبر نوفا السابق، حيث أن التجربة في سيرن أجريت على مستوى أعلى من ذلك. وبالتالي، إذا كان سلوك جسيمات النيوترينوس في التجربة الجديدة مطابقاً لسلوكها في انفجار السوبر نوفا، فإن ذلك قد يعني بأن النظرية النسبية تعمل فقط في سويات طاقية معينة، وأننا في السويات المرتفعة نحتاج إلى نظرية أوسع من النظرية النسبية.

المراجع:

*http://owni.fr/2011/09/26/neutrino-tue-einstein-sciences-physique-particule/

الورقة البحثية التي نشرها مركز أبحاث سيرن

العدد 457 من مجلة La Recherche

النظرية النسبية: ماذا حدث في سيرن؟ (الجزء الأول)

لابد وأنك قد سمعت من قريب أو بعيد بتجربة أوبيرا (OPERA) التي أجريت في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN). سنتحدث في هذه التدوينة عن مبادئ النظرية النسبية وعن نتائج تلك التجربة على هذه النظرية. وسنتعرض في التدوينة القادمة بإذن الله إلى بعض التفاصيل التقنية الممتعة لتلك التجربة.

نسبية… منذ العصر الحجري!

ربما تكون من هواة الركض، ترتدي كلّ يوم نعلاً خفيفاً وتنزل في الصباح الباكر لتمارس تلك الرياضة المفضلة. أنت إذاً تعرف تماماً فكرة النسبية. فأنت عندما تركض بجانب زميل لك (وليكن باسم، بطل كتاب القراءة الشهير للصف الأول الابتدائي في سورية) تلاحظ أنه ثابت بالنسبة إليك. الأمر الذي يسمح لك بفتح حديث معه. بينما إذا نظرت إلى فتاة واقفة عند إشارة المرور (ولتكن رباب، الغنية عن التعريف)، ستجد نفسك تقترب منها ثم تتجاوزها، ولن تستطيع أن تقول لها أكثر من عبارة أو عبارتين.  لاحظ إذاً أن حالة باسم نسبية، فبالنسبة لك، هو بجانبك دائماً. بينما بالنسبة لرباب، فهو متحرك. هذه الفكرة معروفة منذ القدم، وهي أحد أبسط أشكال النسبية.

فيزيائياً، يتم تمثيل هذه النسبية بما يسمى التحويلات الغاليلية، وهي تحويلات رياضية بسيطة جداً. بدايةً نلاحظ من المثال السابق أن الحديث عن المكان أو السرعة يحتاج إلى "مراقب". وباختلاف المراقب تختلف تلك القيم. فسرعة باسم بالنسبة لك تقارب الصفر، بينما سرعته بالنسبة لرباب قد تكون من رتبة 20 كم في الساعة. لاحظ أنه لا يمكن الحديث عن سرعة مطلقة، وإنما دائماً نحتاج إلى مراقب ننسب إليه سرعة الجسم. وتُستخدم التحويلات الغاليلية لحساب مكان وزمان وقوع حدث ما بالنسبة لمراقب معين انطلاقاً من تلك المعلومات عند مراقب آخر.

Img1

الصورة 1: أنت مع باسم ورباب

(لاحظ أن باسم يحمل كتاب القراءة أثناء ركضه!)

فمثلأً، لنفترض أن سرعتك بالنسبة لرباب 19 كم في الساعة، وسرعة باسم بالنسبة لها 20 كم في الساعة، وأنتما تركضان في نفس الاتجاه (الصورة 1)، ترى كم سرعة باسم بالنسبة لك؟ تماماً، الجواب هو كم واحد في الساعة. ولو أنك ولدت قبل غاليليو لكانت التحويلات الآن تعرف باسمك! ولكن… عسى أن يأتي يوم يعرف الناس فيه قيمتك!

(ستحتوي هذه الصناديق بعض التفاصيل الرياضية التي يمكن تجاوزها في حال أحب القارئ الكريم أن يكتفي بالأفكار العامة)

التحويلات الغاليلية:

رياضياً، يتم تعريف الحدث على أنه أمر وقع في مكان معين في لحظة معينة. ففي عالمنا الحقيقي، الحدث عبارة عن أربع أرقام، ثلاثة منها تحدد الإحداثيات المكانية (مكان الحدث)، والرابع يحدد اللحظة التي وقع فيها الحدث. سنتعامل هنا مع عالم أبسط مكون من بعد واحد. وبالتالي الحدث هو ثنائية:

(x,t)

حيث يعبر x عن المكان، ويعبر t عن الزمن. السؤال الذي يطرح نفسه، هذه الإحداثيات بالنسبة لمن؟ إذاً نحتاج إلى "مراقب". المراقب عبارة عن مركز للإحداثيات مع ساعة للتوقيت، وبالتالي عندما نقول أن الحدث (10,4) قد وقع فإننا نعني أن هذا الحدث وقع في مكان يبعد 10 وحدات عن مبدأ الاحداثيات، وبعد مرور 4 ثواني على تلك الساعة. بينما من أجل مراقب آخر فإن احداثيات نفس الحدث هي (3,8). بمعنى أن المراقب الثاني أقرب للحدث مكانياً من المراقب الأول، ولكن ساعة المراقب الثاني متأخرة عن ساعة المراقب الأول.

جميل! لنفترض الآن أن لدينا مراقبان، أحدهما يتحرك بالنسبة للآخر بحركة مستقيمة منتظمة بسرعة u. عندما التقى المراقبان قاما "بتصفير" الساعات. بعبارة أخرى، الحدث المعبر عن التقاء المراقبين، بالنسبة للمراقب الأول:

(0,0)

وبالنسبة للمراقب الثاني:

(0,0)

الآن، بعد مضي مدة زمنية معينة وقع حدث ما احداثياته بالنسبة للمراقب الأول

(x,t)

ما هي احداثياته بالنسبة للمراقب الثاني؟ (الصورة 2) هنا تأتي التحويلات الغاليلية التي تسمح بتحويل احداثيات حدث من مراقب إلى مراقب كالتالي:

x’ = x – ut

t’ = t

حيث

(x’,t’)

تمثل احداثيات الحدث بالنسبة للمراقب الثاني.

img4

الصورة 2

هنالك مشكلة بسيطة في هذه التحويلات، وهي أن الضوء لا يخضع لها! ماذا يعني ذلك؟ سنستخدم القصة التراجيدية التالية لتوضيح هذه المشكلة.

رصاصة وقطار!

طلبت رباب من باسم أن يتخلص من ميسون ووعدته إن فعل ذلك أن تتزوجه. صراحةً لا أدري ما السبب، ولا يذكر كتاب القراءة سبباً لذلك أيضاً. على أي حال وافق باسم على ذلك، وقرر أن ينفذ فعلته تلك أمام رباب كي تشفي غليلها ويكون ذلك مهرها! (لا تتعجبوا، فالواقع يختلف كثيراً عن كتب القراءة). اخبر باسم ميسون بأنه قد حجز تذكرتين على متن القطار وذلك لقضاء بعض الوقت سويةً في مدينة هادئة (تذكر أن هذه القصة موجهة لطلاب الصف الأول الابتدائي، تعامل معها ببراءة الأطفال!). وفعلاً صعدا إلى القطار وبدأ بالتحرك (الصورة 3). كان باسم قد اتفق مع رباب أن تنتظره في مكان محدد خارج القطار بالقرب من سكة الحديد بحيث يتسنى لها رؤية ما يحدث داخل القطار من نوافذه. عندما اقترب القطار من ذلك المكان قام باسم من مقعده وتوجه إلى آخر المقطورة، ثم أخرج مسدساً وصوبه باتجاه ميسون وضغط الزناد (الصورة 4)! خرجت الرصاصة من فوهة المسدس لتستقر في..

img2

الصورة 3: باسم قبل أن يطلق الرصاصة على ميسون

img3

الصورة 4: باسم بعد أن دفع مهر رباب!

جميل جداً! قصة حب رائعة! بالنسبة لباسم، خرجت الرصاصة من فوهة المسدس بسرعة 200 كم في الثانية. بالنسبة لرباب، القطار يتحرك بسرعة 100 كم في الثانية (قطار سريع جداً). إذاً ووفقاً لغاليليو، فإن مهر رباب عبارة عن رصاصة تتحرك بسرعة 300 كم في الثانية.

الآن، لنفترض أن باسم قرر قتل ميسون بمسدس ليزر يطلق ومضات. لنفترض أن سرعة تلك الومضة بالنسبة لباسم 400 كم في الثانية (السرعة الحقيقية هي سرعة الضوء التي تقارب 300000 كم في الثانية ولكن سنستخدم 400 لتبسيط الحساب) بالنسبة لرباب، كم ستكون سرعة الومضة؟ لو كان الضوء يخضع لتحويلات غاليليو لكانت سرعته بالنسبة لها 500. ولكن المفاجأة أن سرعة الضوء ثابتة بالنسبة لجميع المراقبين بغض النظر عن سرعتهم! أي أن سرعة الضوء بالنسبة لرباب أيضاً 400 كم في الساعة!

لتوضيح ذلك أكثر، تصور أن باسم (بعد أن انتهى من ميسون مباشرةً) أعجبه مسدس الليزر فقرر أن يجربه مرة ثانية. نظر إلى النافذة فرأى عصفواً على شجرة، صوب باتجاهه وضغط الزناد، فسقط العصفور مشوياً (الصورة 5)! من وجهة نظر رباب، المشهد كالتالي: باسم على متن القطار المتحرك، وجّه مسدسه باتجاه العصفور وضغط الزناد. في تلك اللحظة كانت المسافة بينهما 800 كم، انطلقت النبضة بسرعة 400 كم في الثانية، وبعد ثانيتين أصابت العصفور فسقط ميتاً.

img5

الصورة 5: باسم والعصفور

أما بالنسبة لباسم، فالمشهد كالتالي، عندما ضغط الزناد كانت المسافة بينه وبين العصفور 800 كم. سرعة النبضة بالنسبة له 400 كم في الثانية. بعد مضي ثانية على ضغط الزناد، النبضة تبعد عن باسم 400 كم، والعصفور يبعد عن باسم 700 كم (لأن القطار يتحرك بسرعة 100 كم في الثانية) وبالتالي العصفور يبعد عن النبضة 300 كم. إذاً ستحتاج النبضة إلى أقل من ثانية لتصل إلى العصفور. ستحتاج النبضة تحديداً إلى 1.6 ثانية لإصابة العصفور!

إذاً نفس العملية احتاجت على ساعة رباب ثانيتين، بينما احتاجت إلى 1.6 ثانية على ساعة باسم! مرحباً بك في عالم النظرية النسبية! سنسمي هذه التجربة "تجربة العصفور".

مسلّمات!

دعنا نعلق على أهم النقاط الواردة فيما سبق بلغة علمية. من المعروف (من نظرية ماكسويل) أن سرعة الضوء في الفراغ بحدود 300,000 كم في الثانية، السؤال المنطقي، هذه السرعة بالنسبة لمن؟ الجواب أن هذه السرعة بالنسبة "للأثير". والأثير كلمة تطلق على الفراغ الذي يملأ الكون. أو بعبارة أدق، إذا افترضنا ان انتقال إشارة ما يحتاج إلى وسط ينتقل خلاله، فإن انتقال الضوء في الفراغ يتم بسبب وجود "وسط" يسمح بذلك، سنسمي هذا الوسط الأثير. وسرعة الضوء السابقة هي بالنسبة لهذا الوسط. هذا الأمر يشبه تماماً سرعة الأمواج التي تنتج عن إلقاء حجر في بركة، هذه الأمواج تتحرك بسرعة معينة نسبةً إلى الماء الذي تنتقل من خلاله.

من هنا جاءت فكرة حساب سرعة الأرض بالنسبة "للأثير". الفكرة تشبه تماماً سرعة الرصاصة بالنسبة لباسم ولرباب، فإذا كانت سرعة الرصاصة بالنسبة لباسم 200، وبالنسبة لرباب 300، فإن ذلك يعني أن سرعة القطار 100. وبالتالي إذا كانت سرعة الضوء بالنسبة للأثير 300,000 وبالنسبة للأرض 301,000 فإن ذلك يعني أن سرعة الأرض بالنسبة للأثير 1000.

جميل، عندما أجريت التجربة وتم حساب سرعة الضوء على الأرض كانت المفاجأة أنها تساوي 300,000! لنفكر لحظة، لو أن رباب كانت في قطار آخر، وقاست سرعة الرصاصة التي أطلقها باسم فوجدتها 200 وهي نفس السرعة بالنسبة لباسم، ماذا يعني ذلك؟ إن ذلك يعني بأن قطار رباب يتحرك بنفس سرعة قطار باسم. أي أن قطار رباب ساكن بالنسبة لقطار باسم.

وبالتالي يمكن أن يكون سبب حصولنا على 300,000 عند قياسنا لسرعة الضوء على الأرض هو أن الأرض في تلك اللحظة كانت ساكنة بالنسبة للأثير. حسناً، يبدو أن الحظ يعاكسنا. سنعيد هذه التجربة بعد ستة أشهر، حينها يكون اتجاه الكرة الأرضية معاكساً لاتجاه الأثير. المفاجأة أن القياس أعطى نفس النتيجة! لذلك قلنا بأن سرعة الضوء متساوية بالنسبة لجميع المراقبين بغض النظر عن سرعاتهم. هذه العبارة هي نتيجة لمشاهدة تجريبية.

هنا جاء آينشتاين وأعطى تفسيره. إن سبب عدم تمكننا من ذلك هو أن الكون مصمم بطريقة تمنع تمايز المراقبين! ما معنى ذلك؟ عندما يكون لدينا مراقبان، أحدهما ثابت والآخر يتحرك حركة مستقيمة منتظمة، فإن كل مراقب يمكن أن يقول عن نفسه أنه الثابت وأن الآخر هو الذي يتحرك، ولا يمكن إجراء أي تجربة لكشف الحقيقة. فمثلاً إذا ركبت قطاراً نوافذه مغلقة، ثم نمت قليلاً، وأثناء نومك تحرك القطار واستقر على حركة مستقيمة منتظمة. إذا استيقظت من نومك الآن فإنه لا يمكنك أن تكتشف مهما أجريت من تجارب إن كان القطار مازال ساكناً أم أنه يتحرك (كلمة تجارب هنا تعني دون اللجوء إلى مراقب خارجي كأن تفتح الستائر او أن تستخدم جهاز GPS).

بينما لو كان الضوء يسلك سلوكاً طبيعياً، لكان بالإمكان معرفة وضع القطار (ساكن أم متحرك) عن طريق قياس سرعة الضوء قبل النوم (عندما كان القطار ساكناً)، وقياس سرعته بعد ان الاستيقاظ، ومقارنة السرعتين.

هاتان الفكرتان (تساوي سرعة الضوء، وعدم إمكانية التمييز بين المراقبين) هما المسلمتان الأساسيتان في النظرية النسبية، وجميع العلاقات الأخرى في النظرية النسبية هي نتائج هاتان المسلمتان. وبالتالي فإن فكرة أن الضوء هو السرعة العظمى في الكون هي نتيجة لهاتين المسلمتين. (على أرض الواقع هنالك أكثر من ظاهرة تتجاوز سرعة الضوء/ مثل ظاهرة التشابك في ميكانيك الكم. ولكن إذا أعدنا صياغة العبارة اعتماداً على نظرية المعلومات، تصبح كالتالي: لا يمكن لإشارة تحمل "معلومات" أن تنتقل أسرع من الضوء)

مسافة وزمن؟!

لنعد إلى تجربة العصفور، كيف يمكن أن نفسر ما جرى؟ المشكلة الأساسية هي أن الضوء لا يخضع للتحويلات الغاليلية، وبالتالي وبالرغم من اختلاف سرعة باسم عن رباب، فإن سرعة الضوء بالنسبة لهما متساوية! مشكلة عويصة حقاً!

لنفترض أن باسم ورباب لم يسمعا بالنظرية النسبية، لو طلبنا من رباب أن تعطينا تفسيراً لما جرى، ماذا كانت ستقول؟ يمكن أن تقول ما يلي (الصورة 6):

"أنا – كأي امرأة في هذا الكون – متأكدة من أنني لا أخطئ. يبدو أن الأحمق باسم قد ارتكب خطأً ما أثناء قياسه سرعة الضوء. بالنسبة لي، سرعة الضوء 400، وسرعة القطار 100، هذا يعني أنه لو لم يخطئ باسم لكانت سرعة الضوء بالنسبة له 300، ولكن الاحمق وجد سرعته 400، وبما أن السرعة هي المسافة على الزمن، فهذا يعني احد احتمالين:

– ازدياد السرعة من 300 إلى 400 يعود بسبب ازدياد البسط، أي المسافة. بعبارة أخرى، ظن باسم أن المسافة التي يقطعها الضوء أكبر من المسافة الحقيقية. يبدو أن المتر الذي يستخدمه باسم لقياس المسافة أصغر من المتر الحقيقي (طبعاً رباب تعني بكلمة حقيقي هنا ما تراه هي). فمثلاً لو كانت المسافة مئة متر، وقمنا بقياسها بمسطرة طولها متر لوجدناها 100، بينما لو قسناها بمسطرة طولها نصف متر لوجدناها 200. إذاً تقلص المسطرة يمكن أن يفسر زيادة السرعة.

– التفسير الآخر الذي يمكن أن نطرحه هو أن الساعة قد أبطأت (تمدد الزمن)، فالضوء عند باسم يقطع 300 كم في الثانية، ولكن ساعة باسم بطيئة، فهي تعطي ثانية بعد مرور ثانية وثلث. أي بعد أن يكون قد قطع الضوء مسافة 400 كم. ولذلك يعتقد باسم أن الضوء عنده يقطع 400 كم في الثانية."

img6

الصورة 6: المشكلة من وجهة نظر رباب

هذا هو رأي رباب في الموضوع، والحقيقة أنه يوجد رأي مشابه عند باسم حيث يعتقد أن المشكلة عند رباب (طبعاً كلاهما يتمتع بنفس العنجهية التي تمنعه من أن يشك بأنه المخطئ).

وفقاً للنظرية النسبية، فإن قبولنا لثبات سرعة الضوء يوصلنا لهذه النتيجة: نسبية الزمن والمسافة! فكلما ازدادت السرعة كلما أبطأ الزمن (تمدد)، وكلما تقلصت المسافات.

هذه الفكرة تفسر المثال الشهير الذي يضرب للنظرية النسبية: لدينا صديقان شابان بنفس العمر، أحدهما رائد فضاء. انطلق هذا الرائد بمركبته بسرعة تقارب من سرعة الضوء، استمر على هذه السرعة لمدة دقيقة، ثم عاد مجدداً إلى الكرة الأرضية ليتفاجأ بأن صديقه هذا أصبح شيخاً هرماً!

يمكن أن نفسر الآن هذه الحادثة ببساطة، فسرعته الكبيرة تلك أدت إلى بطء شديد للزمن عند رائد الفضاء بالنسبة لصديقه على الكرة الأرضية. فالثانية عند رائد الفضاء قد كافأت سنة كاملة على ساعة صديقه.

ماذا حدث في سيرن؟

سنتحدث في التدوينة القادمة بإذن الله عن تفاصيل تجربة أوبيرا. أما الآن، فيمكن القول بأن هذه التجربة تمثل دليلاً إحصائياً على إمكانية إرسال نوع من الجسيمات بسرعة تتجاوز سرعة الضوء ب60 نانو ثانية (النانو هو واحد على مليار من الثانية). وبالتالي إذا افترضنا أن نتائج هذه التجربة صحيحة فعلاً، فإن ذلك يعارض إحدى نتائج النظرية النسبية. وبما أن النظرية بحد ذاتها تم استنتاجها رياضياً من المسلمتين السابقتين، إذاً تبقى المشكلة في إحدى هاتين المسلمتين. لاحظ أنه يوجد دليل تجريبي على مسلمة ثبات سرعة الضوء. أما المسلمة الأخرى، فهي نتيجة "لإيمان" آينشتاين بوجود وحدة تصميمية في الكون (هذا أمر فلسفي طويل وجميل ربما نتحدث عنه لاحقاً). وبالتالي إن كان هنالك مشكلة في النظرية النسبية، فهي في هذه المسلمة.

مفاهيم في ميكانيك الكم

يقف العالم اليوم على أبواب ثورة جديدة هي ثورة المعلومات الكمومية (Quantum Information). وقد سبق ذلك ثورة كمومية أولى وقعت في أوائل القرن الماضي على أيدي نخبة من العلماء أمثال بور وأينشتاين وشرودنغر وغيرهم، كان نتيجتها الوصول للتقنيات التي نستخدمها اليوم كالحواسيب وأجهزة الخلوي وغيرها. وبالرغم من أهمية الثورة الأولى إلا أنها أبقت مفاهيم ميكانيك الكم ضمن الفيزيائيين والفلاسفة. أما الثورة الحالية، فقد فتحت هذه المفاهيم على الكثير من المجالات الأخرى كعلوم الحاسوب والبيولوجيا والرياضيات وغيرها.

وسنضرب لذلك عدة أمثلة، فعلم التعمية الحديث (أو ما يسمى -خطأً- التشفير)  يضمن أمان تقنيات التعمية المستخدمة في مواجهة أي هجوم كان (متوقع أو غير متوقع). الأمر الذي يفرض وجود برهان رياضي يعتمد على قدرات المهاجم وليس على الهجوم بحد ذاته. وبما أن عالمنا يخضع لفيزياء الكم، يمكن للمهاجم أن يستخدم تقنيات كمومية في هجومه، فلابد إذاً من بناء تلك البراهين باستخدام ميكانيك الكم. وأي برهان لا يأخذ بعين الاعتبار تلك القدرات فهو برهان منقوص لا يضمن أمان التقنية المستخدمة في عالم اليوم.

وفي البيولوجيا، تشكل الخلايا منصات بيولوجية للعمليات الحسابية – وذلك من وجهة نظر علماء الحاسوب – فمن الطبيعي أن نتساءل، هل تستخدم تلك المنصات قدرات ميكانيك الكم الحسابية؟ وقد بدأت عدة أبحاث في هذا المجال في محاولة للعثور على بنى كمومية حسابية في الدماغ أو في الخلايا. وهنالك بعض المؤشرات على وجودها في الدماغ.

قبل الدخول في مفاهيم ميكانيك الكم لابد من الحديث عن علاقة الفلسفة بالفيزياء. تقسم الفيزياء إلى قسمين: فيزياء نظرية وفيزياء تجريبية. يقوم النظريون ببناء النظريات الفيزيائية (مثل النظرية النسبية)، ويقوم التجريبيون بإجراء التجارب لأهداف عدة مثل إجراء قياسات، إيجاد أفضل طريقة لبناء حاسوب كمومي، وغيرها.  تهدف الفيزياء النظرية إلى إيجاد نماذج تسمح لنا بتفسير الظواهر والتنبؤ بوقوعها في المستقبل. وتتعلق بشكل أساسي بالقضايا التي يمكن التحقق منها تجريبياً. وبعبارة أدق، تتعلق بالقضايا التي يمكن نفيها تجريبياً. ويسمى هذا النوع من القضايا بالقضايا العلمية. أما الفلسفة، فتتعلق بالقضايا الأخرى مثل: متى يكون التفسير علمياً وما هي شروطه؟ ماذا تعني علاقة رياضية معينة في الفيزياء على أرض الواقع؟ وغيرها. وبالتالي عند الحديث عن أي نظرية فيزيائية لابد من التفريق بين القضايا الفيزيائية والقضايا الفلسفية. ومعظم الفيزيائيين أمثال نيوتن وأينشتاين وشرودنغر وغيرهم هم فلاسفة، ولا يمكن أصلاً بناء نظرية فيزيائية دون الاعتماد على الفلسفة.

يقول ريتشارد فاينمان- أحد أشهر علماء الفيزياء والحائز على جائزة نوبل- :”لا أحد يفهم ميكانيك الكم!” يمكن تفسير ذلك بأننا لا نواجه في حياتنا اليومية ظواهر ميكانيك الكم بشكل مباشر. مثلاً، نحن كبشر نتعامل مع مجال ضيق جداً من الأطوال مقارنةً مع المجال الكلي الموجود في الكون. فأصغر طول يمكن أن نلاحظه بأعيننا هو من رتبة الميلي متر، بينما قطر الذرة من رتبة 0.1 نانو متر وهو يكافئ 1 على 10 ملايين من الميلي متر. ومنطقياً لا يوجد سبب لأن تكون الظواهر الموجودة في تلك المسافات مشابهة للظواهر التي نشاهدها يومياً.

توجد عدة مفاهيم مميزة في ميكانيك الكم. المفهوم الأول هو مفهوم التراكب (Superposition). واعتقد أن العديد من القراء قد سمع بشكل أو بآخر عن هذا المفهوم. فقطة شرودنغر مثلاً هي أحد أمثلة هذا المفهوم (مع القليل من البهارات الفلسفية). يوضح الفيديو التالي هذا المفهوم من خلال تجربة شقي يونغ.

بالرغم من جمال هذا المقطع إلا أنه قام بخلط التفسير الفلسفي مع الظاهرة التجريبية. في البداية تم إجراء تجربة الشقين باستخدام الكرات، ثم قارنّا بينها وبين نفس التجربة باستخدام الأمواج (في حالة الكرات يتشكل خط مقابل كل شق، بينما تظهر خطوط التداخل عند استخدام الأمواج). الآن، عند إطلاق الإلكترونات لاحظنا تشكل خطوط التداخل التي تطابق الأمواج! فعلى الرغم من أننا “نعلم” بأن الإلكترونات عبارة عن أجسام، إلا أن أماكن سقوط الإلكترونات شكلت خطوطاً تشبه خطوط التداخل الناشئة عن الأمواج. ربما يكون السبب هو اصطدام الإلكترونات مع بعضها عند الشقين بطريقة معينة أدت إلى ظهور هذه الخطوط. ومن أجل حسم الموضوع فقد تم تخفيف كثافة الإلكترونات بحيث نضمن وجود إلكترون واحد فقط في فضاء التجربة. وبالتالي لن يوجد إلكترون آخر ليصدم معه. وعند إجراء هذه التجربة وتسجيل أماكن سقوط الإلكترونات، لوحظ أن هذه الأماكن لا تزال تشكل خطوط التداخل.

لابد من بعض التأمل هنا. فنحن نطلق إلكتروناً واحداً كل مرة. ونكرر التجربة عدة مرات. عند وجود شق واحد فقط فإن مجموع الإلكترونات تشكل خطاً واحداً أمام الشق. أما عند وجود شقين فإنها تشكل عدة خطوط تماثل خطوط التداخل الناتجة عن الأمواج. وعند إغلاق أي شق من الشقين فإننا نعود إلى حالة الخط الواحد. السؤال الآن في حالة الشقين، من أي شق يدخل الإلكترون؟ أو بعبارة أخرى، هل يدخل الإلكترون من شق واحد فقط؟ فكر قليلاً قبل أن تتابع القراءة.

لايمكن أن يكون الإلكترون قد دخل من شق واحد فقط، لإنه إن دخل من شق واحد فإنه لن “يعلم” وضع الشق الثاني (مفتوح أم مغلق) أي أن كل إلكترون سيتعلق فقط بالشق الذي دخل منه وبالتالي يجب أن تشكل مجموعة الإلكترونات الداخلة خطين فقط. الأمر الذي يخالف التجربة على أرض الواقع.

لاحظ أن عملية القياس تؤدي لانهيار التراكب. وهذه هي الصفة الثانية في ميكانيك الكم. فعندما حاولنا معرفة الشق الذي دخل منه الإلكترون (أي إجراء عملية قياس لمكان الإلكترون) زالت خطوط التداخل، وتحولت إلى خط واحد مقابل كل شق. وكأن كل إلكترون دخل من شق واحد فقط.

لإضفاء بعد الأحداث الدرامية سندخل قطة شرودنغر في تجربتنا كالتالي. نضع أمام أحد الشقين حساساً لمرور الإلكترون. هذا الحساس مربوط بشفرة مقصلة، وفي فتحة المقصلة سنضع رأس القطة. عند مرور الإلكترون من الحساس تتحرر شفرة المقصلة لتنزل بسرعة رهيبة و…

جميل جداً! حدث درامي رائع! طبعاً لضمان نجاح التجربة يجب أن تكون معزولة تماماً عن الوسط الخارجي. (كأن نضعها في غرفة مغلقة ومعزولة)  وذلك لسببين: الأول لتجنب المشاكل مع جماعة الرفق بالحيوان (يمكن حل هذه المشكلة بإجراء التجربة في إحدى الدول العربية التي لم تتحرر بعد من الاستبداد، حيث لاقيمة حتى للإنسان)، والسبب الثاني لتفادي أن تتحول العملية إلى عملية قياس، الأمر الذي يؤدي إلى انهيار التراكب. وبالتالي ووفق هذا السيناريو، فإن حالة تراكب الإلكترون تنتقل إلى القطة التي تصبح أيضاً بحالة تراكب.

وظاهرة التراكب ناتجة عن شكل رياضي معين في ميكانيك الكم. والسؤال الآن، ماذا يعني التراكب على أرض الواقع؟ ماذا يعني أن يكون الإلكترون في حالة تراكب؟ ماذا يعني أن تكون القطة في حالة تراكب؟ لاحظ أن المشكلة هنا فلسفية وليست تجريبية. وجميع التفسيرات لايمكن اختبارها تجريبياً. سنستعرض بعضاً منها:

-تفسير العوالم المتعددة (Many-worlds Interpretation): يقول أصحاب هذا التفسير بأن عالمنا عبارة عن واحد من مجموعة من العوالم المتوازية. فعند قياس حالة التراكب يحصل “تفرع” في العالم إلى عالمين متوازيين. وبالتالي عندما نطلع على القطة ينقسم العالم إلى عالمين متوازيين، عالم يحوي قطة حية، وعالم يحوي قطة ميتة!

-تفسير المجموعات (Ensemble Interpretation): يقول أصحاب هذا التفسير بأن نتائج ميكانيك الكم لا تتعلق بعنصر واحد، وبالتالي لايمكن السؤال عن حالة إلكترون واحد أو حالة قطة واحدة. فميكانيك الكم -وفق أصحاب هذا التفسير- تعطي النتائج الإحصائية على مجموعة. وبالتالي -ووفقاً لهذا التفسير- فإن حالة التراكب تعني أننا إذا كررنا التجربة عدة مرات فإننا سنجد بعض القطط حية وبعضها الآخر ميتة.

وهنالك العديد من التفسيرات الفلسفية الآخرى لميكانيك الكم. المهم هو إدراك الفرق بين ميكانيك الكم كنظرية فيزيائية، وبين التفسيرات الفلسفية لميكانيك الكم. ومعظم المشاكل التي تواجه من يقرأ عن ميكانيك الكم لأول مرة تنتج بسبب دمج التفسيرات الفلسفية مع النظرية الفيزيائية. طبعاً هذا لا يعني بأن ميكانيك الكم نظرية تقليدية.

فالنتائج التي تعطيها هذه النظرية هي نتائج احتمالية فقط، إذ يمكن باستخدام ميكانيك الكم حساب احتمال أن نعثر على الإلكترون بجانب الشق الأول أو الشق الثاني عند إجراء عملية القياس بجانب الشقين. وبشكل عام أي نتيجة تعطيها ميكانيك الكم هي نتيجة احتمالية تماماً.

من الجدير بالذكر في هذا المقام أن الاحتمالات تستخدم عادةً عند عدم توافر المعلومات الكاملة أو اللازمة للحساب. فمثلاً عندما نقول أن احتمال ظهور الكتابة عند رمي قطعة نقود هو كذا، فإننا نستخدم ذلك لأننا لانعلم بشكل كامل الحالة الفيزيائية للتجربة (قوة الضربة والمكان الذي ضربنا منه قطعة النقود وتيارات الهواء في الغرفة ومرونة السطح الذي سقطت عليه..) ولو علمنا الحالة البدائية وقمنا بالحسابات اللازمة، لتمكنا من معرفة الوجه الذي سيظهر بشكل حتمي.

وبالتالي السؤال الذي يطرح نفسه بالنسبة لميكانيك الكم، لماذا؟ لماذا النتائج احتمالية؟ هل هذه النظرية كاملة؟ هل هنالك معلومات ناقصة عن الإلكترون إذا عرفناها نستطيع تحديد الشق الذي دخل منه بدقة بدون احتمالات؟ بعبارة أخرى، هل يمكن أن نعتبر أن الإلكترون مزود بـ”محرك” و”عجلات” بحيث أن معرفة الوضع البدائي لهذه العجلات تسمح لنا بتحديد كامل المسار الذي سلكه الإلكترون وبالتالي نحدد الشق الذي دخل منه؟ هذا هو السؤال الذي طرحه أينشتاين، هل يمكنك أن تجيب عنه إذا فكرت قليلاً فيما سبق؟

الواقع أن جواب هذا السؤال هو أمر جوهري جداً في فهمنا للكون، فإن كانت هذه النظرية كاملة، فإن ذلك يعني بأن الاحتمالات جزء أساسي من الكون. أي أن الاحتمال صفة من صفات الأشياء وليس مجرد نتيجة لنقص المعلومات. أينشتاين لم تعجبه هذه الفكرة. فقام بطرح تفسير المجموعات الذي ذكرناه لهذه النظرية. فميكانيك الكم -وفق أينشتاين- لا يحدد حالة الإلكترون، وإنما يحدد صفاته الإحصائية. وهو يرى بأن السؤال حول حالة الإلكترون الواحد مايزال مفتوحاً. وقد قال عبارته الشهيرة بخصوص هذا الصدد: “لا يلعب الله النرد”

الواقع أننا قد أجبنا عن هذا التساؤل سابقاً عندما قلنا بأنه لو كان الإلكترون يدخل من شق واحد فقط لما أمكنه معرفة وضع الشق الآخر. قد لا يقنع هذا الجواب البعض. ولكنه جواب مبدئي. لاحظ أن هذا السؤال مبني على تفسير المجموعات. وبالتالي فقد كان الظن السائد بأن هذا التساؤل فلسفي بحت. فأينشتاين لم يعترض على نتائج النظرية، وإنما اعتبرها – وفق تفسيره الفلسفي- غير كاملة. وبسبب ذلك، لم يتحمس الكثيرون لفكرة أينشتاين.

الأمر الثاني الذي لم يعجب أينشتاين أيضاً هو عملية القياس في ميكانيك الكم. فالقياس -تقليدياً- هو كشف لصفة موجودة قبل عملية القياس. ويحدث ذلك عن طريق تفاعل جهاز القياس مع الجسم المقاس. وبنتيجة التفاعل يحدث تغير في جهاز القياس يعبر عن الصفة المقاسة. أما في ميكانيك الكم، فإن عملية القياس هي التي تخلق الصفة التي لم تكن موجودة أصلاً! اعتقد أن أينشتاين قد كره هذه النظرية لأبعد الحدود! فوفقاً لميكانيك الكم، لايمكن تحديد الشق الذي سيدخل منه الإلكترون، وعملية القياس هي التي تؤدي إلى إجبار الإلكترون على أن يأخذ أحد الشقين. طبعاً أينشتاين فسر ذلك بأن النظرية لا تتحدث عن حالة الإلكترون وإنما عن الصفات الإحصائية. وقد اعترض على هذه الفكرة قائلاً: “هل تعتقد حقاً بأن القمر غير موجود عندما لا تنظر إليه؟” واعتبر عدم مقدرة ميكانيك الكم على إعطاء نتائج حتمية للقياس دليلاً على أنها غير كاملة.

وفي عام 1935 قام كل من أينشتاين وبودولسكي وروزن بتقديم ورقة بحثية تتحدث عن تجربة فكرية تعاني من ظاهرة غريبة في ميكانيك الكم هي ظاهرة التشابك (Entanglement). الهدف من هذه الورقة هو اثبات أن نظرية ميكانيك الكم غير كاملة. يوضح المقطع التالي ظاهرة التشابك:

يملك الإلكترون مجموعة من الصفات، إحدى هذه الصفات هي اتجاه المحور (Spin). يمكن قياس هذا الاتجاه وفق أي محور. وتعطي نتيجة القياس إحدى قيمتين. فمثلاً عند قياس اتجاه الإلكترون وفق محور شاقولي، يمكن أن تكون النتيجة (للأعلى أو للأسفل). وعند قياسها وفق محور أفقي تكون النتيجة (يمين أو يسار). أي أننا نحدد محور القياس، وتكون نتيجة القياس إحدى جهتي المحور. بعد عملية القياس، يتحول اتجاه الإلكترون إلى النتيجة التي أشارت إليها عملية القياس. فإذا اعطت عملية القياس النتيجة (للأعلى) عند القياس بمحور شاقولي، فإن جهة الإلكترون تصبح للأعلى. فإذا ما قمنا بقياسه مرة ثانية بنفس المحور فإن النتيجة ستكون أيضاً للأعلى. الآن إذا اعقبنا عملية القياس السابقة بعملية قياس على محور آخر، فإن ميكانيك الكم يخبرنا بأنه لايمكن تحديد الجهة بشكل حتمي، وإنما بشكل احتمالي. فمثلاً إذا كان لدينا إلكترون جهته للأعلى، وأردنا قياسه وفق محور أفقي، فإن الإلكترون -وفق ميكانيك الكم- يكون بحالة تراكب على هذا المحور الجديد، وعملية القياس تؤدي لانهيار التراكب وفق إحدى الجهتين (يمين أو يسار).

لاحظ أينشتاين أن ميكانيك الكم تسمح بتوليد إلكترونين متشابكين. وعند إجراء عملية القياس لكل منهما وفق نفس المحور فإن النتائج تكون مختلفة حتماً. فمثلاً إذا قمنا بقياس الإلكترون الأول وفق المحور الشاقولي وأعطى النتيجة (للأعلى)، فإن قياس الإلكترون الثاني وفق نفس المحور يعطي حتماً النتيجة (للأسفل). وهذا الأمر يحدث من أجل أي محور ومهما كانت المسافة بين الإلكترونين. طبعاً يحدث ذلك فقط من أجل أول عملية قياس.

اعتمد أينشتاين على هذه الظاهرة ليقول بأنه من الممكن تحديد نتيجة القياس على إلكترون ما بشكل حتمي قبل إجراء القياس عليه عن طريق قياس إلكترون آخر متشابك معه. وبالتالي لابد أن تكون تلك القيمة موجودة قبل عملية القياس، لأنه إن لم يكن الأمر كذلك، فلابد إذاً أن يكون الكون غير محلي. والمحلية (Locality) تعني أن التأثير الذي ينتج من حدث ما لا يمكن أن ينتقل بأسرع من الضوء. فإذا وقع حدثان وكانت المسافة بينهما لا تسمح لأن ينتقل الضوء من مكان الحدث الأول إلى مكان الحدث الثاني قبل وقوع الأخير (نتيجة لأن الفاصل الزمني بين الحدثين قصير)، فإنه لايمكن أن يكون أحدهما سبباً للآخر. هذا الكلام من مبادئ النظرية النسبية.

وبالتالي، فلابد أن تكون نتيجة القياس موجودة سلفاً قبل عملية القياس، لأنه من الممكن أن نفصل بين الإلكترونين بمسافة شاسعة جداً، ثم نجري عملية القياس بشكل متزامن بحيث لا يتمكن الضوء من الوصول للإلكترون الثاني إنطلاقاً من الأول. ومع ذلك تبقى نتائج القياس مختلفة. يسمى النموذج الذي كان يدعو إليه أينشتاين بنموذج (المتحولات الخفية).

المفاجأة كانت في عام 1964 عندما برهن جون بيل أن نموذج أينشتاين يتعارض بالضرورة مع نتائج ميكانيك الكم. وأن ميكانيك الكم تتطلب حتماً أن تكون نتائج القياس غير موجودة قبل عملية القياس. ولهذا البرهان أهمية كبيرة جداً. فقد نقل مشكلة أينشتاين مع ميكانيك الكم من قضية فلسفية ليس لها نتائج تجريبية إلى قضية تجريبية تماماً. فإذا ما طابقت ميكانيك الكم نتائج التجربة (وهذا ما حصل لاحقاً)، فإن ذلك يعني عدة أمور. أولها أنه لايمكن تفسير ميكانيك الكم بنظرية (المتحولات الخفية) التي كان يدعو إليها أينشتاين. وثانيها أن عالمنا غير محلي! وأن الكون الذي نتعامل معه أغرب بكثير مما يبدو لنا. كما أنها تفتح باب التساؤل حول فلسفة الاحتمالات وعلاقتها بالكون.

« Older entries