يندر أن نبدأ الحديث في موضوع ما عن القضايا التي لن نتحدث عنها. يحصل ذلك فقط في الحالات التي يكون فيها الالتباس شديداً وسوء الفهم متوقعاً. وفي حالة نظرية التطور الكلي، فإن الإلتباس كبير، سواء على المستوى النظري الذي يتناول البنية المنطقية للنظرية، أو على المستوى العملي، حيث يتم الخلط بين المشاهدات وبين التفسيرات التي قدمتها النظرية لهذه المشاهدات.
لن أتناول في هذه المقالة التفاصيل التي تقوم عليها النظرية، أي لن أدخل في تفاصيل الاصطفاء الطبيعي! وهو أمر غير مألوف لنظرية يعتبر الكثيرون أنها مرادفة للاصطفاء الطبيعي.
سأركز على الهيكل العام للنظرية. فالتفاصيل يمكن أن تتغير وتتبدل، أما الهيكل العام، فلا يمكن تغييره بدون أن تتغير النظرية بحد ذاتها.
وبما أنني أناقش النظرية بدون التطبيق على أرض الواقع، فإن لي كامل الصلاحية في اختراع الأمثلة المناسبة. ولذلك سأتخيل مثلاً أن الإنسان تطور من حبة البطاطا، وأن الفيل تطور من التمساح.
والقضية مشابهة لما أقوم به في معالجتي للفروع الأخرى كالفيزياء مثلاً. أتصور أحياناً فيلاً في مكوك فضائي، ورائد فضاء يطهو حساءً للأفيال، وباسم يقتل ميسوناً بمسدس لليزر، وهكذا، لست مقيداً أبداً في شرحي لنظرية بأن استخدم أمثلة محددة.
مقدمة:
يقوم المنهج العلمي على مجموعة أسس، من أهمها ما يمكن تسميته بـ”رفض المعجزات” (الاسم الحقيقي للمبدأ ليس مهماً، والمهم هو المعنى). ولنوضح ذلك بمثال: تصور أن لدينا قطعة نقدية بوجهين: كتابة وشعار. لو أننا ألقينا هذه القطعة ألف مرة، وظهر الشعار في جميع المرات، فإننا تلقائياً نرفض النظرية التي تقول بأن هذه القطعة عادية، ونعتقد يقيناً بأن القطعة معدلة بشكل يظهر الشعار أكثر بكثير مما يظهر الكتابة. والسبب أن احتمال ظهور هذه النتيجة وفق النظرية الثانية أكبر بكثير من احتمال ظهورها وفق النتيجة الأولى الذي يكاد يكون مهملاً.
طبعاً اختلاف الاحتمال بحد ذاته ليس كافياً لاختيار أي من النظريتين. فالرياضيات لا تقول: هذه النظرية صحيحة وهذه خاطئة، أو: خذوا هذه ودعوا هذه. هي تسمح لنا فقط بحساب الاحتمالات، ويجب بعد ذلك أن نستعين بمبدأ فلسفي ما للاختيار. وتشكل المنظومة الفلسفية الشائعة حالياً ما يعرف بالمنهج العلمي.
بعبارة أخرى: إذا كان احتمال وقوع الظاهرة وفق النظرية مهملاً، فإننا نقول بأن هذه النظرية، علمياً، لا تفسر الظاهرة. إذ ليس تفسيراً أن تقول لي ما معناه: وفق تلك النظرية، فإن ما حدث هو معجزة!
طير وإنسان!
إن فهم النقطة التالية يسهل كثيراً عملية الخوض في نظرية التطور.
لا اعتقد أنه يوجد إنسان عاش فترة في الحياة ولم يَذْرِقْ (يتبرز) عليه طير. فمعظمنا تعرض لذلك الموقف الطريف مرة على الأقل. لندقق جيداً في احتمالات هذه الظاهرة. فكر في الاسئلة التالية قليلاً قبل أن تتابع. ليس المطلوب إعطاء أجوبة دقيقة، وإنما مجرد تقديرات من قبيل: قليل الحدوث، ممكن جداً، أو شبه مستحيل.
أولاً، ما هو احتمال أن يَذْرِقَ طيرٌ على إنسان محدد في يوم محدد؟ بعبارة أخرى، ما هو احتمال أن يصيب باسماً ذَرْقُ طيرٍ في يوم الجمعة القادم؟
ثانياً، ما هو احتمال أن يتعرض باسم لتلك الحادثة الطريفة مرة على الأقل خلال عشر سنوات؟
ثالثاً، ماهو احتمال أن يتعرض باسم لتلك الحادثة الطريفة في سبعة أيام متوالية؟ أي أن يصيبه الذرْق في كل يوم لسبعة أيام متتالية، علماً أن باسماً لا يتحرى الوقوف في أماكن “مشبوهة”؟
رابعاً، ما هو احتمال أن يصيب جميع أفراد أسرة باسم المكونة من سبعة أشخاص ذَرْق الطير في نفس اليوم؟
خامساً، ماهو احتمال أن يتعرض شخصٌ ما في مدينة باسم لذرق الطير في يوم الجمعة القادم؟
الإجابات واضحة بديهة، ولن أدخل في التفاصيل الرياضية لحسابها. ولكن ما يهمنا هو النتيجة التالية:
إن تكرار فرصة وقوع حدث ما يؤدي إلى ارتفاع احتمال وقوعه. وهذا التكرار قد يأخذ شكلين. إما أن يكون تكراراً زمنياً، أو أن يكون تكراراً عددياً في نفس المدة الزمنية.
الحالة الأولى تمثل ما يحصل لباسم خلال عشر سنوات. فاحتمال أن يصيب باسم ذَرْقٌ في يوم ما هو ضئيل جداً، إلا أن احتمال أن يصيبه خلال عشر سنوات يكاد يكون أكيداً. وذلك لأنه في كل يوم يتعرض لإمكانية وقوع الحدث.
أما الحالة الثانية فتمثل ما يحصل لمدينة باسم في يوم واحد. فبالرغم من أن احتمال أن يذرق الطير على أي فرد بعينه ضئيل جداً، إلا أن كثرة الأفراد تجعل من احتمال وقوع الحدث عالياً. أي أنه في كل يوم هنالك فرد على الأقل يتعرض لهذه الحادثة.
تقوم نظرية التطور الكلي على أحداث احتمال وقوعها ضئيل جداً، ولكنها ترفع من احتمالها عبر هذين النوعين من التكرار.
عن التطور الكلي:
إذا أوقفنا الزمن في لحظة معينة، ونظرنا إلى الكائنات الموجودة على سطح الأرض في تلك اللحظة، فإننا نستطيع أن نصنف هذه الكائنات ضمن مجموعات منفصلة، سنسميها أنواع. لا يهمنا الآن معايير التصنيف، ولكن من الواضح مثلاً أن البطاطا مختلفة تماماً عن الإنسان. وأن الاختلافات بين البطاطا الحمراء والبطاطا الصفراء أقل بكثير من الاختلافات بين أي حبة بطاطا وأي إنسان.
المقدمة الثانية التي تقوم عليها نظرية التطور حالياً هي أن للصفات مصدران: الأول جيني والآخر مكتسب من البيئة. ويتحدد النوع بناءً على الصفات الجينية لا المكتسبة. فمثلاً حتى لو قام إنسان بعملية “تجميل” وحول شكل رأسه إلى ما يشبه البطاطا، فإننا لا نزال نعتبر هذا الكائن إنسان وليس حبة بطاطا.
فالمادة الوراثية تحدد صفات الفرد، ثم تأتي البيئة وتعدل من هذه الصفات. والصفات المكتسبة لا تورث بشكل مباشر. فمثلاً، بالرغم من أن الغالبية العظمى من النساء يثقبن آذانهن إلا أن هذه الثقوب لا تورث إلى الابناء أو البنات. والسبب أن هذه الصفة مكتسبة، وليست جينية. أي أن عملية ثقب الاذن لا تؤثر في الجينات المسؤولة عن الأذن والتي تنتقل من الآباء إلى الأبناء.
المقدمة الثالثة هي أنه يمكن للمورثات أن تتغير. وهذه التغيرات محكومة بآليات محددة كالطفرات وغيرها. كل آلية تؤدي إلى تغيير، سنسميه تغييراً بسيطاً. لا تهمنا الآن تفاصيل هذه التغييرات ولكن ما يهمنا منها أنها لا تؤدي إلى تغييرات كبيرة في المورثات. فمثلاً لا يمكن بتغيير بسيط واحد أن تتحول حبة البطاطا إلى إنسان. (طبعاً لا تقول نظرية التطور أن حبة البطاطا تحولت إلى إنسان، ولكن سأستخدم ذلك التعبير فقط للدلالة على تغير نوع إلى نوع آخر).
إذا فهمنا هذه المقدمات فإن نظرية التطور الكلي تقوم على ما يلي:
لدينا في اللحظة (آ) نوع ما، كالبطاطا مثلاً. يطرأ تغيير بسيط على أحد الأفراد وينتشر هذا التغيير في النوع (بفعل مجموعة من الآليات كالتكاثر). وبالتالي وبعد مدة زمنية وفي اللحظة (ب) نلاحظ أن النوع قد تغير قليلاً. تسمى عملية الانتشار بالاصطفاء الطبيعي. وقسم كبير من النظرية يدرس تلك العملية وآلياتها.
النظرية إذاً تقول أن تكرار هذه العملية (التغيير البسيط على فرد واحد، ثم انتشار التغيير) هو المسؤول عن تغير النوع. سنسمي عملية التغير والانتشار هذه دوراً. هذا هو لب النظرية وجوهرها. وجميع ما ينشر هو فقط لبيان تفاصيل هذه العملية وشروطها.
لاحظ إذاً أن ظهور نوع جديد يحتاج إلى مدة زمنية هائلة، والسبب يعود إلى أمرين: نحتاج أولاً إلى عدد كبير من الأدوار المتتالية، لأن تغير النوع يحتاج إلى تغير كبير، هو عبارة عن تراكم من التغييرات البسيطة. ثانياً، نحتاج إلى مدة زمنية كبيرة لإتمام الدور الواحد. إذ نحتاج إلى انتشار الطفرة في النوع (عن طريق التكاثر مثلاً). تصور لو أن كلباً طرأ عليه تغيير بسيط فأصبح ذا رائحة مميزة مثلاً، كم سنة سنحتاج حتى ينتشر في نوع الكلاب هذا التغيير (على افتراض أنه سينتشر)؟ كم عملية تزاوج يجب أن يحصل وكم جيل يجب أن يولد حتى تغزو هذه الصفة نوع الكلاب؟
لماذا ولماذا ولماذا؟
لا يكتفي العقل النقدي بهذا السرد للنظرية، لابد من فهم أعمق لها. والواقع أن العناصر الأساسية للنظرية ثلاثة:
– التغيير البسيط، وقوعه على أحد الأفراد، الانتشار.
ولفهم هذه النظرية لابد أن نفهم مبررات هذه العناصر. والقضية بسيطة إذا فهمنا الآلية التي تحكم ظاهرة ذرق الطير، إذ هي، احتمالياً، نفس الآلية التي تحكم التطور. سأبدأ بالعنصر الثاني، لماذا نقول بأن التغيير يقع على فرد واحد؟ لأن احتمال وقوعه على عدد كبير من الأفراد بنفس الوقت ضئيل جداً، وبالتالي إذا افترضت النظرية ذلك، فإن الحدث يصبح معجزة.
وبالتالي، لو أن احتمال وقوع طفرة في كائن ما هو واحد بالألف. إن ذلك يعني أنه في كل مليون كائن هنالك تقريباً ألف كائن يعاني من تلك الطفرة، وبالتالي احتمال وقوعها في كائن واحد على الأقل من مليون كائن هو احتمال شبه أكيد. إننا نكاد نجزم أنه يوجد فرد على الأقل من المليون يعاني من تلك الطفرة.
ولماذا نشترط انتشار تلك الطفرة في النوع؟ لأن النظرية تتطلب أن يتراكم عدد كبير من الطفرات حتى ينتج النوع الجديد، واحتمال أن يتراكم هذا العدد في أفراد قلة هو أشبه بالمستحيل. إذ أن وقوع ذلك احتمالياً يكافئ أن يذرق الطير على باسم كل يوم ولمدة سنة.
ولو افترضنا أن الطفرة لم تنتشر، وان الفيل تطور من التمساح، فإن ذلك يعني أن تمساحاً، مثلاً، سيبيض بيضة تعطي تمساحاً طافراً، وسيكبر هذا التمساح ويبيض بيضة تعطي تمساحاً أشد طفرةً، وهكذا حتى نصل إلى الفيل. أي أن سلسلة واحدة من التماسيح أعطت فيلاً. إن احتمال وقوع هذه الطفرات المتتالية في سلسلة واحدة أمر أشبه بالمستحيل. أما إذا انتشرت الطفرة بين التماسيح، فإن احتمال وقوع طفرة جديدة في احد التماسيح احتمال كبير، وهو كاحتمال أن يذرق طير على أحد أفراد مدينة باسم.
بالنسبة للعنصر الأول، البساطة، فإنه من الصعب والعسير الخوض الآن في تعليله الحقيقي، وسنكتفي بالقول أنه من البديهي أن وقوع تغيير بسيط أسهل بكثير وأكثر احتمالاً من وقوع تغيير كبير.
فضاء الكائنات:
الآن، سنعيد طرح النظرية بشكل يسمح لنا بوضع صيغة رياضية للمسألة ويفتح آفاقاً لبرهانها أو دحضها بشكل حقيقي. الشكل التالي يمثل فضاء الكائنات. كل نقطة تمثل كائناً معيناً. فمثلاً في لحظة ما إذا كان العالم يحوي 180984432423 حبة بطاطا، فإن الشكل سيحوي نفس العدد من النقاط، نقطة من أجل كل حبة بطاطا. المسافة بين نقطتين تعبر عن المسافة بين مورثات الكائنات. كلما كان الاختلاف بين المورثات أكبر كانت المسافة أطول. فالاختلاف بين مورثات حبتين من البطاطا أقل بكثير من الاختلاف بين مورثات حبة بطاطا وإنسان. ولذلك فإن النقاط المعبرة عن البطاطا تتكتل حول بعضها، وكذلك النقاط المعبرة عن الإنسان.
الآن، إذا افترضنا جدلاً بأن الإنسان تطور من حبة بطاطا، فإن ذلك يعني أنه في لحظة زمنية ما لم يكن هنالك إنسان، وكانت هنالك البطاطا. وبدأت سلسلة من الأدوار التطورية في نوع البطاطا. في كل دور تظهر طفرة على أحد الأفراد، ثم تنتشر، وهكذا. أي بدأ النوع بالتحرك وفق مسار ما. يعبر الشكل التالي عن عملية تطور البطاطا إلى الإنسان وفق فضاء الكائنات
الشكل (2): تطور البطاطا إلى الإنسان خلال فترة زمنية طويلة
لاحظ أن عملية التطور تمت خلال فترة طويلة. وفي كل دور كان يخرج إلى الوجود نوع ما. في البداية كان يشبه البطاطا كثيراً، ومع الوقت أصبح هجيناً. لاحظ أيضاً أن خروج النوع إلى الوجود يعني انتشاره. والانتشار يعني أنه متوفر بكثرة، وبالتالي يجب أن نجد بسهولة أثراً له. وذلك من أجل كل نوع من الأنواع البينية.
هذه نقطة يجب الوقوف عندها. إذا افترضنا أنه بين الإنسان والبطاطا مليون نوع، إذن يجب أن نجد مليون أثر لتلك الأنواع البينية (لاحظ أن شرط التطور هو الانتشار، أي أن كل نوع سينتشر إلى درجة تجعل من وقوع الطفرة التالية فيه أمراً ممكناً). أما إذا قلت لك: أنظر، بعد البحث المضني وجدنا عشرة أنواع “بينية”، فإن وجود عشرة أنواع من مليون هو دليل ضد النظرية لا معها، لأن هذه الأنواع تفصل بينها “مسافات وراثية” كبيرة!
هذه نقطة مهمة في فهم نظرية التطور والاعتراضات عليها. فعندما نقول أن الأحافير لا تؤيد نظرية التطور، فإن ذلك يأتي ضمن سياق معين. سياق يستلزم وجود عدد هائل من الأنواع التي تواجد أفرادها بكثرة تسمح بحدوث التطور عن طريق الطفرات. والتواجد الهائل يجب أن ينعكس كتواجد هائل في الأحافير.
طرح آخر:
لنفترض أن عملية البحث عن الأحافير مضنية وأنه لسبب ما لا توجد تلك الأحافير. هنالك طريق آخر لبرهان أو دحض نظرية التطور. ولكنه يحتاج أن نخرج من مسلماتنا وأمانينا قليلاً، ولنتساءل: إذا كانت نظرية التطور غير صحيحة، فماذا يمكن أن يكون السبب؟
إن المنطق التطوري كما رأينا يفترض وجود طريق جينية بين البطاطا والإنسان (مثال جدلي بالطبع). ووجود الطريق يعني أن هنالك كائنات حية على هذا الطريق. أما إذا كانت نظرية التطور خاطئة، فإن ذلك يعني أن مثل هذا الطريق غير موجود. أي أننا إذا اخترنا نقطة من هذا الطريق البيني، وشكلنا كائناً بهذه المورثات فإن هذا الكائن لن يعيش. فإما أن الكائنات تعيش في محميات وراثية مغلقة لا يمكن لها الخروج من حدودها، أو أنها تعيش في طريق وراثية مفتوحة ويمكن لها أن تتحرك على هذا الطريق.
ترى ما صفات هذا الطريق؟ هل هو طريق عريض أم ضيق؟ بمعنى آخر، ما هو احتمال الحصول على طفرة يمكن لها الانتشار في النوع؟ كلما كان احتمال الحصول على طفرة قابلة للانتشار أقل، كلما كان الطريق أضيق.
وبالتالي يمكن إجراء التجربة التالية، لنحاول أن نختار نوعين قريبين وراثياً من البكتيريا أو الفيروسات، ولنحاول أن نحاكي حاسوبياً عملية تطور أحدهما إلى الآخر. سنحتاج إلى مجموعة من المعلومات مثل: ماهي صفات المادة الوراثية التي تبقي الكائن حياً، وما هو التوزيع الاحتمالي للطفرات وغيرها في مورثات الجراثيم التي نعمل عليها. يمكن بناء برنامج يقرأ قاعدة بيانات كبيرة من مورثات الكائنات الحية ويحاول، باستخدام تقنيات التعلم التلقائي (Machine Learning)، أن يصنف المورثات القابلة للحياة من المورثات التي تؤدي للموت. هو عمل شاق وجبار حقاً. وإذا لم نستطع الحصول على معلومات عن الطريق الذي يمكن سلوكه، فإننا سيحتاج على الأغلب إلى حاسوب كمومي نظراً لأن عدد الحالات يتزايد بشكل أسي.
وللتأكد من صحة المحاكاة نقوم باختيار بضعة نماذج بينية ونحاول أن نركب الحمض النووي ونطابق النتائج.
لابد أن عملاً كهذا سيفتح لنا آفاقاً اعمق لفهم الحياة. الآن، هدفي من طرح هذه التجربة ليس إجراء التجربة بحد ذاتها (وأنا أؤيد بقوة برنامجاً بحثياً في هذا الاتجاه)، ولكن التالي، وسأختم بذلك:
إذا اقتنعت أن هذه التجربة يمكن أن تقدم لنا دليلاً يدحض نظرية التطور الكلي، فهذا يستلزم أنك تعتقد أن نظرية التطور الكلي ليست حقيقة! وأنه من الممكن أن يكون التفسير الذي تقدمه النظرية للمشاهدات الحالية خاطئاً. بعبارة أخرى، من الممكن وقوع ثورة في البيولوجيا تشبه ثورة ميكانيك الكم في الفيزياء (وليس من المستبعد أن يكون لميكانيك الكم دور في ذلك)، ثورة تقوم على الفكرة الأساسية في تقدم الفيزياء، الفكرة التي تقول بأنه من الممكن للقوانين المستنتجة من تجارب أجريت في أبعاد زمنية أو مكانية معينة أن لا تكون صحيحة في أبعاد زمنية ومكانية أخرى. فتجارب الميكانيك الكلاسيكي فشلت في الأبعاد الذرية. ومن الممكن جداً أن يفشل التطور الجزئي في العمل على أبعاد زمنية كبيرة.

