متفرقات في الرياضيات والفلسفة وأمور أخرى!

سنناقش في هذه المقالة مجموعة من المسائل التي قد تبدو بديهيةً لأول وهلة ولكنها  تتصل بقضايا جوهرية في الفلسفة والرياضيات والكون. لا أهدف هنا – في معظم الطروحات- إلى تقديم إجابات، وإنما إلى تنبيه الأذهان إلى اسئلة قد تبدو بسيطة ولكنها ذات مغزى فلسفي عميق. لنبدأ إذن وبالله نستعين.

1 + 1 = 2؟

لا اعتقد أنه توجد علاقة في الرياضيات أبسط من هذه. ولكن دعونا ننسى –ولو مؤقتاً- جميع الحواجز النفسية التي وضعها التعليم والمجتمع في عقولنا إذ أوهمنا بأننا أصبحنا ذوي معرفة عميقة، دعونا ننسى تلك الحواجز مؤقتاً ولنتجرأ ولنسأل، لماذا؟ لماذا 1 + 1 = 2؟ اعتقد أن معظمنا سيشعر بالغيظ والضيق لو سأله أحد هذا السؤال، فالعلاقة واضحة بداهةً. ضع السبابة بجانب الوسطى وستجد أن لديك أصبعان. ضع تفاحة بجانب تفاحة وستملك الآن تفاحتين. ولكن لو تأملنا قليلاً في هذه “البراهين” لوجدنا أنها تقوم على أمرين اثنين:

1- أنها تعتمد على الواقع الفيزيائي لبرهان علاقة رياضية، الأمر الذي يطرح السؤال التالي، هل الرياضيات علم “مجرد” لا علاقة له بالواقع الفيزيائي أم أنه يعتمد “حتماً” على ذلك الواقع؟ وبالتالي من الممكن أن نتخيل عالماً آخراً نجد فيه مثلاً 1 + 1 = 3؟

2- أن هذه البراهين – كحال معظم النظريات الفيزيائية – تعتمد على الاستقراء. أي أنها تنتقل بالتعميم من مجموعة مشاهدات محدودة إلى جميع الظواهر. فمثلاً لو أنك أمسكت علبة تحوي 10 بيضات، ولاحظت أن تاريخ الصلاحية قد انتهى منذ شهرين. ومع ذلك قمت بكسر أول بيضة لتجد رائحة العفن الرائعة قد فاحت وملأت المكان. ثم كسرت الثانية لتجد أنها أيضاً عفنة. ومع ذلك تابعت مهمتك النبيلة بشجاعة حتى كسرت 9 بيضات وأصبحت رائحة المكان لا تطاق. والسؤال الآن، ماذا ستقول عن البيضة العاشرة؟ معظمنا سيقول أن هذه البيضة حتماً عفنة. ولكن حتماً هنا ليست جازمة، حتماً هنا تشير إلى توقعنا، لا إلى الواقع. إذ من الممكن أن تكسر البيضة فتظهر لك طازجةً لماعةً بصفارها الرائع وكأن الدجاجة قد باضتها للتو!

وبما أن هذه “البراهين” تقوم على الاستقراء، إذاً من الممكن أن نجد غداً مجموعة من العناصر التي تحقق مثلاً 1 + 1 = 3، أو هل يمكن ذلك؟

يمكن أن ننظر إلى الأمثلة السابقة لا على أنها براهين، ولكن على أنها “أمثلة” لهذه العلاقة، وهنا نعود إلى نقطة البداية، لماذا 1 + 1 = 2؟

هنالك نقطة مهمة في هذه العلاقة وفي معظم الرياضيات عموماً (يمكن استثناء نظرية الاحتمال مما سيأتي)، وهي أنه من الممكن بمجرد التفكير فقط أن نقوم بعملية الجمع. يمكن أن أفكر بأن لدي سبابة ووسطى، وبالتالي أنا الآن أفكر بأصبعين، بـ 1 + 1. والنتيجة حتماً 2 ولن تتغير حتى لو وضعت السبابة بجانب الوسطى فاختفت السبابة، أو ظهر أصبع ثالثة بينهما. هذه الظواهر الفيزيائية “لن تغير” من حسابي الذهني شيئاً. وهذه الفكرة تدفعنا إلى سؤال بين قوسين وهو: إذا كانت الرياضيات عملية ذهنية بحتة لا علاقة لها بالواقع الفيزيائي، فلماذا نستخدم الرياضيات لتوصيف ذلك الواقع؟ ولماذا نجحنا (حتى الآن) في اكتشاف قوانين رياضية للواقع؟

ملاحظة أخيرة قبل الانتقال إلى فكرة أخرى، وهي أنه يمكن أن نفرق بين أمرين، بين المعاني التي تحملها الرموز، وبين الرموز نفسها. فمثلاً تتكون العلاقات التالية في الأصل من تتالي من الرموز.

I + I = II

A + A = B

وبإعطاء هذه العلاقات معاني معينة يمكن جعلها مكافئة للعلاقة السابقة. تقودنا هذه الفكرة إلى ما يسمى البراهين الصُّورية (Formal Proofs). والتي تعني أنه يمكن إيجاد مجموعة من المسلمات التي يمكن باستخدامها وباستخدام المنطق الصُّوري (Formal Logic) الوصول إلى سلسلة من الرموز تكافئ 1 + 1 = 2. ونقول عن علاقة أنها صحيحة إذا أمكن الوصول لسلسلة الرموز المكافئة انطلاقاً من المسلمات. في البراهين الصورية لا نعتمد على المعاني للبرهان، وإنما نعتمد فقط على التعامل مع الرموز بطريقة ميكانيكية.

الاحتمالات: عندما يقع الحدث المستحيل!

(ملاحظة: يتطلب هذا المقطع بعض الإلمام بنظرية الاحتمالات، ويمكن تجاوزه إلى الفكرة التالية)

من أكثر القضايا التي أربكتني أثناء دراستي لنظرية الاحتمالات هي فكرة المتحولات العشوائية المستمرة. فمثلاً لنأخذ المتحول العشوائي المنتظم المعرف على المجال بين الصفر والواحد. بمعنى أننا نختار بشكل عشوائي رقم حقيقي بين الصفر والواحد، كيف يمكن دراسة احتمالات هذه التجربة؟

تنص كتب الاحتمالات (وتباً لتلك العبارة) على تعريف تابع يسمى تابع الكثافة الاحتمالية لدراسة هذا النوع من المتحولات العشوائية. يمكن حساب الاحتمال بأن نكامل هذا التابع على المجال المطلوب. فمثلاً، احتمال أن يكون الرقم بين 0 و 0.5 هو

clip_image002

حيث f هو تابع الكثافة الاحتمالية. وتظهر المشكلة عند المقارنة مع المتحولات العشوائية المتقطعة. فمثلاً في تجربة اختيار رقم طبيعي بشكل عشوائي بين 1 و10 نجد أن احتمال ظهور أي رقم هو (0.1). هل يمكن لنا أن نسأل نفس السؤال في حالة المتحولات العشوائية المستمرة؟ ما هو احتمال ظهور الرقم 0.25 مثلاً في تجربة اختيار رقم حقيقي بين الصفر والواحد؟

إن تعريف الاحتمال بالتكامل يؤدي حتماً إلى النتيجة “المربكة” التالية: احتمال ظهور أي رقم محدد هو 0! فمثلاً يمكن حساب احتمال ظهور الرقم x كالتالي:

clip_image002[5]

وذلك لأن التكامل ينعدم عند تطابق حديه. والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان احتمال ظهور أي رقم هو الصفر، كيف يمكن أن يكون احتمال ظهور مجموعة من الأرقام (مثل المجال المحصور بين 0 و 0.5) أكبر من صفر؟

يمكن إعادة طرح السؤال بطريقة أخرى، تصور لو أننا وضعنا كل رقم حقيقي من المجال المحصور بين 0 و1 في مجموعة مستقلة. إذاً أصبح لدينا عدد كبير من المجموعات، كل مجموعة تحوي رقماً واحداً. وتعبر كل مجموعة عن الحدث الذي يقع عندما يظهر الرقم الحقيقي الموجود فيها. وبما أن كل مجموعة تحوي رقماً واحداً فقط، إذاً احتمال وقوع هذا الحدث هو 0. ولكن لابد أن يظهر أحد الأرقام بين الصفر والواحد، أي لابد أن يقع أحد الأحداث السابقة التي احتمال كل واحد منها هو الصفر، أي لابد أن يقع الحدث المستحيل!

بدايةً قد يشعوذ أحد الدكاترة على طلابه (وكثيراً ما يشعوذون) فيقول بأن هذه هي صفة المتحولات العشوائية المستمرة! والواقع أن هذا “الجواب” لا علاقة له بالسؤال، فالسؤال لم يكن: ما هو نوع المتحولات العشوائية الذي يتمتع بهذه الصفة؟. وقد ذكرنا صراحةً في البداية أننا نتعامل مع المتحولات العشوائية المستمرة، وسؤالنا هو: لماذا؟ ألا يمثل ذلك تناقضاً منطقياً صريحاً؟

الواقع أن جواباً (جزئياً) يمكن أن يكون كالتالي: تعرف الاحتمالات في المتغيرات العشوائية المستمرة بالمساحة التي تشغلها مجموعة. (الواقع أن السكوت هنا لا يعدو عن كونه أحد أنواع الشعوذة الأخرى التي يمكن ممارستها: إلقاء بضع كلمات دون وجود محتوى حقيقي، ولذلك لابد من التفصيل للخروج من هذا المأزق!).

تصور لو أن لديك مربعاً، وأريد أن اختار نقطة منه بشكل عشوائي، ما هو احتمال أن تقع هذه النقطة في النصف العلوي؟ الجواب البديهي هو 0.5 (وبرهانه الرياضي يعتمد على التناظر، إذ أن تدوير المربع 180 درجة يؤدي إلى الحصول على نفس المربع تماماً مع تحول النصف العلوي إلى سفلي، وبما أنه لا يمكن أن نفرق بين الحالتين (قبل وبعد الدوران) فإن احتمال النصف العلوي يساوي تماماً احتمال النصف السفلي، ومجموع الاحتمالين هو 1 (لماذا؟)، إذاً احتمال كل نصف هو 0.5). يمكن بديهياً استنتاج أن الاحتمال يتناسب مع مساحة المنطقة. إذاً يمكن حساب الاحتمال عن طريق إيجاد تابع يحسب مساحة المجموعة. ولكن، لو اخترنا نقطة معينة من المربع السابق، وسألنا، ماهي مساحة هذه النقطة؟ النقطة لا سطح لها، ومساحتها صفر (هنالك برهان رياضي أيضاً لهذه الفكرة ولكن سأكتفي بالبديهة). فالمساحة لا تنتج من نقطة وإنما من تجاور مجموعة من النقاط. وبالتالي فمساحة المجموعة المكونة من نقطة واحدة هي الصفر. وبما أن الاحتمال يكافئ المساحة، فاحتمال المجموعة هو صفر.

دعنا نتأمل قليلاً في التفسير السابق. برر هذا التفسير الانتقال من الاحتمال الصفري في حالة المجموعات المكونة من عنصر واحد إلى احتمالات أكبر من صفر في حالة المجموعات المكونة من تجاور عدد من النقاط التي تشكل سطحاً ذي مساحة. ولكن السؤال الذي بقي قائماً، هذا التعريف أدى إلى وقوع أحداث احتمالها صفر، فكيف يمكن توفيق ذلك مع نظرية الاحتمال؟ أليس الحدث المستحيل هو الحدث ذي الاحتمال الصفري؟

الواقع أن استخدام المساحة في تعريف الاحتمالات انعكست على نظرية الاحتمال نفسها. فالحدث المستحيل هو الحدث الذي لا يقع أبداً، أما الحدث شبه المستحيل (Almost never) هو الحدث ذي الاحتمال الصفري، ولكن يمكن أن يقع! وبالتالي وفي المتحولات العشوائية المستمرة، الاحتمال الصفري لا يعني بالضرورة استحالة الوقوع، وإنما قد يعني أن المساحة معدومة.

فيثاغورث والمسطرة وأضواء النجوم!

يمكن تصنيف علاقة فيثاغورث في المثلث القائم ضمن العلاقات الرياضية الأكثر شهرة، وتنص ببساطة على أن مربع طول الوتر يساوي مجموع مربعي الضلعين القائمين.

200px-3-4-5_triangle.svg

الشكل الأول: حسب فيثاغورث 25 = 9 + 16

يمكن إعادة صياغة علاقة فيثاغورث بعدة طرق، أشهرها هي فكرة المسافة بين نقطتين. فلو كان لدينا نقطتين إحداثيات الأولى (x1,y1) وإحداثيات الثانية هي (x2,y2). فإن المسافة بينهما تعطى بالعلاقة التالية

clip_image002[7]

أو كما تعلمنا في المدرسة: المسافة بين نقطتين تساوي الجذر التربيعي لـ (مربع الفرق بين السينات زائد مربع الفرق بين العينات).

ولكن لنتوقف لحظة، ماذا تعني “المسافة” هنا؟ أو بعبارة أدق، كيف يمكن قياس المسافة بين نقطتين؟ تتعلق عملية القياس بتحديد واحدة كالمتر مثلاً، ثم قياس عدد مرات تكرار هذه الواحدة لقطع المسافة بين النقطتين. وهنا تكمن المشكلة. لا يوجد أي شيء في العلاقة الرياضية السابقة يشير إلى أنه يجب أن يتم تعريف المسافة بهذا الشكل. وبعبارة أخرى، لا يوجد ما يشير إلى أن المسطرة يجب أن تكون خطية ومنتظمة، لماذا لا يتم تعريف المسافة بمسطرة لوغاريتمية مثلاً؟ قد يبدو ذلك غريباً للوهلة الأولى، ولكن لنفكر قليلاً في ذلك.

فالعين البشرية مثلاً تتحس الضوء بمقياس لوغاريتمي. فعندما ننظر إلى السماء نجد نجوماً بشدات سطوع مختلفة. تبين الصورة التالية كوكبة الجبار (Orion constellation) كما ترى من الأرض:

Abrams13c

الشكل الثاني: كوكبة الجبار كما ترى من الأرض. لاحظ تباين السطوع بين النجوم.

من الواضح أن هنالك نجوماً أشد سطوعاً من نجوم أخرى. والواقع أن السطوع الذي نراه بأعيننا لا يعبر عن السطوع الحقيقي. لعدة أسباب، بعضها يتعلق بالنجوم نفسها، إذ أن شدة السطوع تتعلق بالمسافة، وبالتالي النجوم الأبعد ستبدو أقل سطوعاً من النجوم القريبة. ومنها ما يتعلق بعين الإنسان، فحساسية العين للسطوع لوغاريتمية، والعلاقة التالية تربط شدة إضاءة النجوم كما تراها العين مع شدة إضاءتها الحقيقة:

clip_image002[11]

تستخدم هذه العلاقة للمقارنة بين نجمتين. إضاءة الأولى الظاهرية هي m1 والثانية m2. وشدة الإضاءة الحقيقة هي f1 و f2. لاحظ أنه إذا كانت الثانية أشد من الأولى ب100 مرة، فإن العين البشرية سترى أن الثانية ضعف الأولى.

وحساسية الإذن للصوت لوغاريتمية أيضاً. فلماذا لا يكون شعورنا بالمسافة لوغاريتمياً؟ وبالتالي يجب أن نستخدم مسطرة لوغاريتمية لقياس المسافة كالتالي:

arthlogs

الشكل الثالث: مقارنة بين مقياس خطي كالمسطرة العادية (القسم العلوي) ومقياس لوغاريتمي (القسم السفلي)

يظهر الشكل السابق العلاقة بين المسطرة العادية والمسطرة اللوغاريتمية. لاحظ أنه عند قطع نفس المسافة تتضاعف القيمة في المسطرة اللوغاريتمية، وهذا ما يظهر جلياً عند الانتقال مسافات مساوية للمسافة بين 1 و 2. نلاحظ أن الأرقام عند هذه المسافات هي 4، 8، 16.

الهدف هنا ليس عرض البرهان الرياضي لوجوب استخدام المسطرة العادية في حساب المسافات في الهندسة الإقليدية (وحتماً هنالك برهان)، ولكن الإشارة إلى أن استخدام هذه المسطرة ليس بديهياً وأنه يحتاج إلى برهان.

خاتمة

لا يتبدى جمال العلم بشكل عام والرياضيات بشكل خاص إلا إذا تحررنا من عملية التلقين وبدأنا نسأل ونفكر دون أن نلزم أنفسنا بالقناعة بما يمليه علينا الآخرون. فإذا اقتنعنا أكملنا، وإذا لم نقتنع توقفنا وسألنا. وما طرحته هنا مجرد ومضات من قضايا قد نظنها بسيطة ولكنها ترتبط مباشرة بفلسفة العلم والكون.

About these ads

5 تعليقات

  1. shadispire said,

    سبتمبر 10, 2012 at 10:49 م

    السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
    يا أخي تنفرج أساريرنا عندما نقرأ مقالة جديدة لكم، فلماذا هذا التقصير؟
    يجب أن تكون وتيرة المقالات أكبر ولو قليلاً، رح تقلي دراسة ودكتوراة… لا ذنب لنا في ذلك. أنت كتبت مقالات وتعلق من تعلق بمدونتك، تجي كل سنة تنزل مقالة ما بيمشي الحال أخي، ما بيمشي أبداً، لا تعملها على مبدأ شم ولا تدوق.
    عندما سألت السؤال لماذا 1+1=2 توقفت – كما كنت تطلب منا كل مرة – وحاولت الإجابة عن هذا السؤال قبل أن أتابع، ثم تابعت. كان جوابي كالتالي:
    بداية قبل أن نبرهن هذه القضية لا بد أن نسأل أنفسنا ماذا نقصد بـ1 وماذا نقصد بـ 2، وكما قلت أنت لاحقاً قد يشعر البعض بالغيظ، ولكن “عن جد” ماذا يعني الواحد وماذا يعني الإثنين. قلت لنفسي وقالت لي (مقالة رائعة للرافعي) لا بد من أرضية نعمل عليها ونبني فوقها. أي لابد قبل أن نبرهن هذه القضية أن نعرف ماذا تعني مكوناتها. تخيلت أني في زمن لا أحد يعرف فيه عن الحساب شيئاً، بمعنى أن الأرقام غير موجودة والعمليات الحسابية غير موجودة وأنا “أينشتاين ذلك الزمان الافتراضي” سأخترع لهم هذه الخزعبلات.
    الـ 1 بالنسبة لنا هو شيء واحد، كتلة واحدة، كينونة واحدة. أي أننا سنفترض أننا إذا وقفنا أمام كينونة واحدة فيمكن أن نعبر عنها بالرقم 1 كتعداد (أو كقيمة أو كقياس لكن هنا نتحدث عن التعداد – وأعتقد أن كل قياس هو في النهاية تعداد). إذا سأفترض أنني كلما أردت أن أشير لكينونة واحدة سأرمز لها (كتعداد) بالرقم 1. سأضع الآن كينونة أخرى بجانب كينونة ما، تفاحتين. سأشير لهذه الكينونتان (لعدد الكينونات التي أمامي الآن) بالرمز 3. سأضع كينونة أخرى وأشير لعدد الكينونات بالرقم 5، ولي مطلق الحرية في ذلك. طبعاً لا تنس أنني في عصر لا أحد يعرف فيه الأرقام اي لن يقفز أحد ويقول لي لماذا 3 وليس 2، فهذه الرموز التي أُعَرِّفها لهم لا تحمل أية دلالات سابقة لدى هؤلاء الناس لذلك لن يعترض علي أحد.
    سأعرف الآن عملية الجمع على أنها عدد الكينونات التي أمامي. سأفترض أنني أمام جبلين. الجبل الأول بالنسبة لي هو 1، و الثاني هو 1. الجمع بالنسبة لي معرفة عدد الكينونات انطلاقاً من معرفتي لمكونات الكل. وسأشير للجمع بـ :: (أنا حر). إذا عندما أقول:
    1 :: 1 = ( ) فأنا أريد أن اعرف الرمز الي يرمز مجموع الكينونات 1 و 1. ولأنني رمزت بـ 3 للكينونات 1 و 1 معا فسيكون الجواب هو 3. أي في عالمي 1::1=3. هذا البناء هو الأساس الذي سأنطلق فيه في بناء عالم الرياضيات الخاص بي في ذلك الزمان.
    لاحظ أنني عندما أوجد الجواب فأنا لا أقوم بعملية ذهينة، كل ما في الأمر أنني أعود للأرشيف الذي لدي والذي فيه العدد الذي يمثل كينونتان معاً هو 3، فوضعت ناتج الجواب 3. ولكن لاحقاً لا أرجع له لأنني أعتاد على الأمر وأحفظه عن ظهر قلب.
    تصبح عملية الجمع هنا انعكاساً لما أفترضه أنا بالأساس. اي أنها تأتي بعد عمليات فرض لا بد منها. كافتراضنا بأن الكينونة الواحدة هي 1 وهكذا. من دون هذه الأرضية لا يمكن لنا أن نبني أي شيء.
    لذلك عندما تقول لي لماذا 1+1=2 أقول لك بأننا نحن من افترضنا ذلك بالأساس. في عالمي 1+1=3 والـ 3 عندي ليست مثل الـ3 عندك، ولكن الـ :: مثل الـ +. إذاً برأيي العملية هي انعكاس لأمور بُني عليها تفكيرنا ولا يمكن لنا الخروج عنها. وعلاقة الرياضيات بالواقع تتحدد بفرضياتنا الأساسية التي ننطلق منها في تفكيرنا. إذاً لا أظن أننا سنجد عالماً آخر فيه 1+1=3 إذا كنا نفترض ما سبق في ناحية العد، لأننا نفترض ونبني على هذه الفرضيات. فعندما تقول لي هل هناك عالم فيه 1+1=3 سأسالك ماذا تقصد بالرموز السابقة وما هي الفرضيات التي تربطها بها.
    يمكن أن نفكر بالمثل في الكيفية التي خرج فيها الجمع للوجود. ولنسال أنفسنا ماذا يعني الـ +؟ الجواب سيكون بالمفاهيم التي ربطناها بالرمز لا أكثر ولا أقل.
    ذكرتني هنا بفكرة كنت أبحث فيها في كل مرة أقرأ فيها عن الكم أو عن النسبية غيرهما من النظريات الحديثة. الفكرة كانت كالتالي:
    سنفترض الفرضيات التالية:
    سنقول عن أمر ما أنه “منطقي” إذا كان مستنتجاً استنتاجاً رياضياً تاماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكما نعرف أن 1+1=2 ونقول عن هذا الأمر “منطقي” سنقول عن أمر آخر بأنه منطقي إذا وفقط إذا كان برهانه مبنياً على الاستنتاج الرياضي البحت من قبيل 1+1=2. أي لا يوجد في برهانه أشياء برهانها غير منطقي 100%.
    ونقول عن أمر ما أنه “معقول” إذا كان متقبلاً بالنسبة لنا ولكن لم نستطع أن نبرهنه كما في السابق.
    فمثلاً نظرية فيثاغورث تكون منطقية، أما نظريات الكم مثلاً تصبح معقولة. ففيثاغورث استخدم أموراً “منطقية” في برهانه أما علماء الكم فأحياناً يفترضون وأحياناً يرتجلون وأحياناً أخرى يأتوك بالقانون وكفى!… لا تظن أنه هناك عداء شخصي بيني وبين الكم الأمر على سبيل المثال فقط . النظرية تصف الواقع لا خلاف في ذلك ولكن هل هي الحقيقة التامة “المنطقية” لذلك الواقع؟ كما أن 1+1=2 حقيقة “منطقية” بالنسبة لنا؟
    هذا يقودنا لنقطة أخرى لها انعكاس في حديثك عن الاحتمالات وهي: هل توجد الرياضيات على أرض الواقع ولها انعكاس حقيقي فيه؟ أم انها عالم مثالي في عقولنا فقط؟
    فهل يوجد في الدنيا التي نعيش فيها شيء مثل النقطة التي توجد في رياضيات عقولنا؟ هل هنالك كائن يسمى النقطة في العالم الحقيقي وله نفس صفات نقطة الرياضيات؟ إذا لم يكن موجوداً فكيف لنا أن تستخدمه في رياضيات عقولنا التي من المفترض أنها تحاول وصف العالم الحقيقي؟! هل هذا يعني أن علينا أن نستبعد كل مالا وجود له ونحاول بناء عالم رياضي لكل عناصره وجود على أرض الواقع.
    في الرياضيات هناك مستو ببعدين فقط عشنا معه من الصف الأول حتى الصف العاشر، فهل في الدنيا شيء ببعدين فقط؟
    هل تصل نظرياتنا الحالية للحقيقة المطلقة أم أنها تقترب فقط؟
    بالنسبة لي كل النظريات التي تحاول وصف الكون تعطي وصفاً تقريبياً فقط وكلما نضجت هذه النظريات اقتربت من الحقيقة المطلقة دون أن تصل إليها. لأننا في بحثنا عن الحقيقة المطلقة نبحث من الأعلى نزولاً لها، أي ننطلق من المظاهر في محاولة معرفة كنه الشيء، وهذا طريق يظل يقترب ويقترب دون أن يصل للكمال مالم نعرف ما هو كنه الشيء نفسه. فحتى نفسر كوننا وظواهره تفسيراً مطلقاً يجب أن ننطلق من الأسفل للأعلى، أي يجب أن نعرف كيف بني هذا الكون بالأساس، ومن ثم ننطلق للأعلى في تفسير الظواهر الأكثر فالأكثر تعقيداً، كما فعلنا في اختراع الجمع ومن ثم انطلقنا منها لأمور أكثر تعقيداً.
    و “برأيي الشخصي” لا ولن يصل الإنسان للحقيقة المطلقة في أي حقل لأنه لم يشهد خلق الكون!، كل مافي الأمر أنه سيظل يقترب من الحقيقة المطلقة اكثر فأكثر لا أكثر.
    أما بالنسبة لموضوع حساسية العين للضوء وأنها لوغارتمية فهذا أمر جديد كلياً علي  فشكراً وألف شكر لك لأنني كما الكل جازماً لا يمكن أن يخرج من مقالاتك خاوي اليدين، فجزاك الله كل الخير وجعلها في ميزان حسناتك.
    فسؤالك لماذا لا يكون شعورنا بالمسافة لوغارتمياً؟ أثار فيي السؤال: لمذا يجب أن يكون؟ فإذا كان شعور العين بالسطوع لوغارتمياً فلا بد من وجود حقائق وأمور تفرض هذا، أي هناك برهان يفرض هذه النظرية، فهل هناك برهان لموضوع المسافة؟
    هنا أنتهز الفرصة لأبث لك هذه الشكوى: من ترك الدراسة الثانوية ولم يتابع في كلية علمية ينسى كل ما تعلمه عن الاحتمالات والاشتقاقات والتكاملات رغم أن كل ما تعلمه سطحي، فتباً (وما أجملها من كلمة  ) لمناهجنا! فماذا يفعل مثل هذا الشخص حتى ينتعش من جديد في هذه المفاهيم؟؟؟ “لاقيلنا حلة كرمال الغوالي!”. فقد خطر ببالي مثلاً أن أكتب عن هذه الموضع بالنسبة للعين ولكن المشكلة أنني سأصطدم بمفاهيم رياضية قد أقف عاجزاً أمامها!! فماذا نفعل يا أخا العرب؟!
    أرجو أن لا أكون قد أطلت عليك  وجزاك الله كل خير، راجين منك “رجاء شدُ حار” أن لا تطيل غيابك في مدونتك هذه وشقيقتها.

    • سبتمبر 12, 2012 at 4:46 ص

      وعليكم أطيب السلام ورحمة الله وبركاته
      أولاً أشكر لك كلماتك الطيبة مولانا. والحقيقة أنني أشعر بسرور “عرمرم” عند قراءة تعليقاتكم.
      بالنسبة لوتيرة المقالات التي أنشرها، فأنا اعترف بتقصيري، وسأحاول إن شاء الله أن أتدارك ذلك. ولعل أوضاع البلد -وأنت أدرى بها- قد لعبت دوراً في هذا الموضوع. اسأل الله أن يفرج عنا عاجلاً غير آجل.

      بالنسبة لتحليلكم لموضوع الأرقام، فالحقيقة غمرتني السعادة عندما قرأت تحليلكم، وشخصياً لم أكن لأبدأ بمعالجة الموضوع قبل أن اعرّف بالضبط معنى الأرقام ومعنى هذه العلاقة. والواقع أن لب الموضوع هنا. وما ذكرته أنت يقترب كثيراً من النظرة الحالية للرياضيات. فأحد التفسيرات الفلسفية تقول بأن الرياضيات بشكل عام و(في حالتنا 1 + 1 = 2) صحيحة تعريفاً. فنحن نبدأ من تعاريف ونقوم بالوصول إلى النتائج المنطقية لتلك المقدمات التي انطلقنا منها.

      وهذا يفتح الباب لسؤالين:
      -عندما عرفنا واحد على انه “كينونة واحدة”، هل هذا تعريف صحيح منطقياً؟ ألم نستخدم الواحد ضمن التعريف نفسه وبالتالي يصبح التعريف دائرياً؟
      – إذا نظرنا إلى هذه التعاريف كعلاقات مجردة بغض النظر عن المعنى الذي تحمله، كيف يمكن أن ندرك أن هذه التعاريف منسجمة منطقياً ولن تؤدي في المستقبل إلى تناقض ما؟

      ويمكن أن أعيد صياغة سؤالي باستخدام الألفاظ التي استخدمتها انت كالتالي:
      لماذا جمع كينونة مع كينونة أخرى يؤدي إلى كينونتين وليس إلى ثلاث كينونات؟

      بالنسبة للمقارنة مع النظريات الفيزيائية. متى نقول عن نظرية أنها “معقولة”؟ وهل توجد نظريات غير معقولة؟

      بالنسبة لموضوع المسافة، هنالك برهان رياضي على أن المسطرة التي نستخدمها لقياس المسافات في الهندسة الإقليدية يجب أن تكون منتظمة. أما من ناحية العين، فالقضية تتعلق بالطريقة التي ننظر فيها إلى المسطرة لأن الأسقاط على شبكية العين ليس منتظماً وإنما منظوري (Perspective Projection) فالأجسام البعيدة تبدو صغيرة والقريبة كبيرة. وبالتالي إذا نظرت للمسطرة بشكل عمودي عليها ستراها منتظمة، أما إذا نظرنا لها بشكل مائل فستراها غير منتظمة (المسافات البعيدة تبدو أصغر من المسافات القريبة).

      بالنسبة لموضوع الرياضيات، اعتقد أن الموضوع يحتاج إلى صبر وعزيمة ووقت وتنظيم.

      هنالك كتاب جيد كمدخل للاحتمالات يمكن البدء به، عنوانه:
      A modern introduction to probability and statistics: understanding why and how
      Authors: Dekking, Kraaikamp, Lopuhaa, Meester

      دمت بخير

      • shadispire said,

        سبتمبر 14, 2012 at 4:03 ص

        لا أعتقد أن سرورك يكافىء “بالكم” سروري على الإطلاق :)
        في طرح تعريف العدد كلامك صحيح تماماً في أن التعريف يصبح دائرياً إذا استخدمنا الواحد في تعريف الكينونة الواحدة، ولكن يجب أن نفترض أنني أعرف معنى العد قبل أن أعرف الأعداد. بمعنى أنني قبل أن أعرف العدد واحد واثنان بأي رمز ما يجب أن نقر باننا نفهم ما هو العد. السؤال هنا كيف يمكن تعريف العد بدون أعداد؟ أو بدون أن يصبح التعريف دائرياً؟,
        الجواب على مثل هذا السؤال قد لا يكون صياغة كالتي نصوغها في تعاريف كثيرة. هناك تعاريف تولد معنا وتعريفها يصبح بعد فترة من العمر وبعد توفر أدوات التعبير عسيراً جداً. فكل الدراسات التي تجرى على الأطفال تشير إلى أنهم يدركون الفرق بين الأكثر والأفل، وهو مفتاح معرفتنا للعد أو لنقل صلب عملية العد. السؤال: كيف عرف الطفل هذه العملية دون أن نعرفها له؟ هل ولدنا وأدمغتنا تستطيع سلفاً القيام ببعض العمليات الذهنية؟
        سخصياً أؤمن بذلك، لأنه في بحثنا عن أساس أي تعريف لا بد وأن نعود لنقطة لا نستطيع بعدها أن نبسط الأمر أكثر من ذلك، ولا يعبر عن عجزنا هذا إلا عبارة: يا أخي واضحة! على سبيل المثال :)
        ولا يعود أمامنا إلا القول بأننا ولدنا مع هذه الأفكار وبنيت أدمغتنا على هذا النحو، بنيت على هذا المنطق.

        وشكراً جزيل الشكر على الكتاب وسأبدأ به إن شاء الله وأتمنى اسم كتاب يشرح معنى التكامل والاشتقاق ويبسط مثل هذه الأفكار ويشرك من أين ظهرت للوجود! :)

  2. سبتمبر 11, 2012 at 1:19 م

    السلام عليكم أخي عبد الرحمن, والله يعطيك العافية على هالمقالة, العميقة ولكن….. اسمحلي عبر عن رغبتي بنقاش معك حول موضوع الفلسفة بشكل عام.
    أنت بحكم أنك مختص بفلسفة الرياضيات أو فلسفة الفيزياء, أو على الأقل هاو لهما, فأنا فعلا بحاجة لحديث معك حول هذا الموضوع.
    النقاش لايتعلق بموضوع هذه المدونة بالذات, ولذلك لن أكتب شيء هنا, فأرجو عندما تجد نفسك جاهزا لهذا النقاش أن نقوم به, ربما عن طريق مدونة أنت تفردها لهذا الموضوع وقد تكون بعنوان \”لماذا فلسفة الرياضيات؟\” أي أن تكون المدونة إجابة عن هذا السؤال, لكي يرتاج أمثالي إلى هذا العلم الغريب… ودمت بألف خير وعافية

    • سبتمبر 12, 2012 at 4:46 ص

      وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخي قصي.
      أبشر، سأقوم قريباً إن شاء الله بنشر تدوينة تتحدث عن الفلسفة.

      دمت بخير

  3. soulaimane said,

    مايو 19, 2013 at 6:54 م

    شكرا


أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 108 other followers

%d مدونون معجبون بهذه: